مطالبات بمحاسبة المسؤولين عن مقتل المتظاهرين العراقيين منذ أكتوبر 2019
مطالبات بمحاسبة المسؤولين عن مقتل المتظاهرين العراقيين منذ أكتوبر 2019

كنت في بغداد حين تساقطت الصواريخ البالستية للحرس الثوري الإيراني على أربيل في إقليم كردستان العراق، والمؤكد أن ارتداداتها السياسية أكثر وقعا، وتأثيرا من الأضرار المادية التي أحدثتها.

أربكت الصواريخ التي أعلنت طهران لأول مرة المسؤولية عنها المشهد السياسي في بغداد، وزادت من حسابات الربح والخسارة للأطراف المشاركة في العملية السياسية، وأصبحت هذه الصواريخ ورقة للمساومة، وللمفاوضات في صراع الرئاستين (الحكومة والجمهورية)، فتزيد من فرص ذاك الفريق، وتُحرج، وتُضعف فريقا آخر.

الصواريخ الإيرانية صعّدت من سخونة وتعقيد الوضع في العراق، ودفعت إلى الواجهة أسئلة مهمة، أبرزها: هل زادت من رصيد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وعززت قوته، وفرصته بالعودة ثانية إلى رئاسة الحكومة؟، وهل أعطت للتحالف الثلاثي (مقتدى الصدر، محمد الحلبوسي، مسعود برزاني) قوة إضافية في صراعهم مع "الإطار التنسيقي" الذي يتصدره نوري المالكي؟ أم أن "الإطار التنسيقي" حصد مكاسب عند طهران باعتباره الحليف الأقوى، وبالتالي ستضع إيران "فيتو" على أي حل سياسي لا يضمن توافق الأطراف الشيعية، وفي مقدمتها الموالية، والأقرب لها؟

طوال أربعة أيام كنت ألتقي وأستمع للسياسيين وصانعي القرار في بغداد، وأستقرأ معهم تفاصيل المشهد، والسيناريوهات القادمة، وأول ما يجب أن يوثق أن الكاظمي كان حاسما في إدانة القصف الإيراني لأربيل، وفورا عقد اجتماعا لمجلس الأمن القومي، وزار أربيل بعد استدعاء السفير الإيراني في بغداد، وإبلاغه احتجاج السلطات على انتهاك سيادة العراق، بغض النظر عن صحة المزاعم الإيرانية بأن ما قصفته موقع استراتيجي للموساد الإسرائيلي، وأنه استُخدم كقاعدة انطلاق لضرب مصنع الطائرات المسيرة في كرمنشاه بإيران.

المعلومات المتسربة من مصادر وثيقة الاطلاع قالت إن طهران قدمت للحكومة العراقية وثائق تشير إلى تواجد وتورط أجهزة استخبارات من بينها الموساد في أعمال عدائية ضد طهران انطلاقا من كردستان العراق، وكان الرد العراقي حاسما بأن ذلك لا يعطيكم الحق بانتهاك سيادة العراق، وعليكم إبلاغنا ونحن نُحقق، ونتصرف.

"الإطار التنسيقي" لم يُدن الاعتداء الإيراني لحساباته السياسية مع طهران، ولمخاوفه من صدق الكلام عن تواجد استخباريّ للموساد هناك، والتزم الصمت، وترك الحكومة في الواجهة تقلع شوكها وحدها، وربما في الغرف المغلقة تكون المقاربات للتعامل مع هذه الأزمة مختلفة.

بيان الزعيم مقتدى الصدر زاد من منسوب التصعيد، ويشي أن الحوارات مع "الإطار التنسيقي الشيعي" لا تسير بشكل مريح، وربما مضمون البيان يفتح له أبوابا لزيادة التمكين داخل المكون الشيعي، وخاصة باستقطاب الكتل والنواب المستقلين، أو بتفسيخ "الإطار" من الداخل، والقدرة على استمالة بعض رموزه.

وهذا يعني إفقاده للحجة بأنه الكتلة الأكبر شيعيا، وقد يؤدي ذلك أيضا، وهذا مهم، إلى فكفكة "الثلث المُعطّل" الذي يسيطرون عليه، ويمنعون عقد جلسة لمجلس النواب ما لم تُقبل تصوراتهم السياسية، وأولها التسليم بمرشح حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، برهم صالح، رئيسا للجمهورية، للمرة الثانية.

الزعيم الصدر في بيانه يُغازل المستقلين الذي يُقدر عددهم بـ 40 نائبا، ويؤكد أن الحكومات التوافقية لم تنفع العراق، بل أضرته عاما بعد عام، ودعا للخروج من نفق التوافق إلى فضاء الأغلبية، ومن عنف الطائفية إلى فضاء الوطنية، مُصّرا ورافضا الضغط عليه لتشكيل حكومات تفاهمات وتوافقات مع الكتل الشيعية الأخرى.

الاختبار الحقيقي لموازين القوى، خاصة داخل "البيت الشيعي"، سيكون في جلسة مجلس النواب القادمة التي يُراهن عليها أن تحسم انتخاب رئيس الجمهورية، وتسمية رئيس الوزراء، فإن تمكن "الإطار التنسيقي" من إفشال النصاب لانعقاد الجلسة لغياب التوافق، فالأمر يعني أن "التحالف الثلاثي" لن ينجح في فرض حكومة أغلبية، وواقع الحال أن الأمر ليس سهلا، فالتحاق المستقلين كلهم في التيار الصدري شبه مستحيل، وانفراط عقد "الإطار" ليس هينا، لأنه يجمع مصالحهم في مواجهة قوة التيار الصدري.

قبل جلسة البرلمان في الأسبوع القادم، وهي أشبه باستعراض القوة للفرقاء، فإن المبادرات، والسيناريوهات تبدو أكثر محدودية، وضيقا، ويأتي في مقدمتها أن ينجح الصدر مع حلفائه في إكمال النصاب بالتغلب على "الثلث المُعطل" بالاستقطاب أو التفسيخ، وعندها يستطيعون فرض مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني، أيّا كان اسمه، كرئيس للجمهورية في مواجهة برهم صالح.

هذا المسار الصعب إن تحقق يكون كاسحة للعبور إلى تسمية رئيس وزراء لحكومة أغلبية، وفي هذه الحالة يكون الأقرب لها الرئيس الكاظمي، وإن كان الصدر يمتلك خيارات، وأسماء متعددة يستخدمها في مفاوضاته، وما يُميز الكاظمي أنه يحظى بالدعم الإقليمي والدولي، ويمتلك رؤية، ومشروعا للتغيير في العراق، وسيُكمل الطريق الذي بدأه، ولن ينطلق من الصفر.

السيناريو أو المسار الثاني ألا يكتمل نصاب جلسة مجلس النواب، فتؤجل الجلسة، ويزيد الضغط على الزعيم الصدر للقبول بحكومة شراكة وطنية، تُعيد الأمر إلى نقطة البدء بالتوافقات والتفاهمات لتشكيل الحكومة على ذات الأسس القديمة، بمحدداتها الطائفية والجهوية، وتعتمد على مقاربة الحصص، والنقاط بالمقاعد، ويُعيد هذا السيناريو إنتاج الواقع الذي حكم المسار السياسي منذ سقوط نظام الرئيس صدام حسين.

في النقاشات مع صانعي القرار في بغداد عن تأثيرات الضغوط الإقليمية والدولية لفرض رئيس للحكومة والجمهورية، فإن الإجابات القاطعة كانت تقول إن حسابات المصالح للقوى السياسية في الداخل تتقدم على حسابات الخارج، وإن كانت هناك هوامش للتأثير لكنها ليست حاسمة، مؤشرين إلى الدور التركي في اتفاق، وبناء التحالف السني (الحلبوسي، الخنجر).

السيناريو الأخير في حال فشل المسارين أن يذهب البرلمان لحل نفسه بعد تقديم مقترح من ثلث أعضائه، وتوافق عليه الأغلبية النسبية (نصف زائد واحد)، والمضي نحو انتخابات مُبكرة، وسلوك هذه الطريق ليس محببا، ولا يدعمه حتى اللحظة رئيس مجلس النواب، ولن يقبل بتجرع "كأس سم" التحالف الثلاثي، إلا حين يصبح الخيار الوحيد أمامهم، وسيناريو حل البرلمان والانتخابات المُبكرة؛ هناك من يُروج أن المحكمة الاتحادية قد تفرضه لمواجهة توقف، وتعطل العملية السياسية.

السياسيون في العراق منشغلون في المُكاسرات السياسية، وعودة منطق تقسيم "الكعكة" بين الزعامات الطائفية يدفع بقوة إلى الواجهة استذكار احتجاجات تشرين، فالاستعصاء السياسي، أو طغيان التفاهمات المصالحية يزيد من قناعة سياسيين من داخل البيت الحكومي أن هذه الحالة، هي الأرض الخصبة لانفجار زلزال على هيئة انتفاضة شعبية مسلحة تحرق الأخضر واليابس؛ احتجاجا على حالة الخراب التي آلت إليها الأوضاع في البلاد.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.