في لبنان نمطان من الانتخاب ومن الترشح للانتخابات، الأول سيختبره المقترع والمرشح في مناطق نفوذ الثنائي الشيعي، أي حزب الله وحركة أمل، والثاني سيختبره باقي اللبنانيين.
خوض الانتخابات، ترشيحاً واقتراعاً، في الحالة الأولى مهمة صعبة ومحفوفة بالمخاطر، من سيخوضها من المفترض أن يكون في سياق مغامرة لا تمت إلى طقس الانتخاب بصلة.
الأمر يشبه ما يجري في دولة بوليسية، فالمرشح لن يتمكن من القيام بحملة انتخابية، ولن يتاح له أن يقوم بجولات وزيارات من ذلك النوع الذي يقدم عليه المرشحون. من يستقبله سيكون عرضة لتهديدات ولاحتمالات اعتداء، والمقهى الذي يقبل باستضافته للقاء ناخبين ستجري ضغوط لمقاطعته.
نحن حيال تجربة مختلفة تماماً عن تلك التي سيخوضها باقي اللبنانيين، وهذا يحيلنا إلى مستوى آخر من التباين في أحوال الناس في لبنان، وفي استقبالهم للكوارث والنكبات، من دون أن يعني أن اللبنانيين من غير سكان مناطق نفوذ حزب الله حالهم أفضل، إلا أنهم من دون شك أكثر تخففاً من تعسف السلطة ومن طغيانها على خياراتهم.
لن نستفيض كثيراً بما يتعرض له المرشحون من خارج لوائح الثنائي الشيعي من منع واضطهاد، فهذه أخبار تملأ الفضاء الإلكتروني ونشرات الأخبار والصحف، لكن سننتقل منها إلى حقيقة وجود نموذجين للمواطنة في لبنان، وإذا كان لبنانيون كثراً "يحسدون" الشيعة على تصدرهم الجمهورية الثالثة، وهذا صحيح إلى حد كبير، إلا أن سكان مناطق نفوذ الثنائي الشيعي أقل حرية من مواطني الطوائف الأخرى.
والحرية هنا لا تقتصر على تقييد خيارات الناس وضبطها أمنياً واجتماعياً وسياسياً، إنما تمتد إلى جعل المتاح والممكن محدداً بالصورة التي وزعها الثنائي للائحته الانتخابية، والخيار الوحيد أمام المختلفين هي عدم التوجه إلى صناديق الاقتراع! وهذه الخطوة أيضاً ستحسب على صاحبها، وربما ترتب عليها تبعات.
ثم أن الحرية ليست ابنة لحظتها، فالثنائي يؤسس في مناطق نفوذه لوعي مقيد، ولحساسية لا تهضِم الاختلاف، الترشح ضده يعني خروجاً من الجماعة وخروجاً عليها.
نموذج المواطنة بدأ يأخذ أشكالاً أكثر قسوة، فالمناسبات التي يلتقي فيها اللبنانيون على مصائبهم، كانت لتشكل فرصة للالتفاف على هذا الشقاق اللبناني. وقعت كارثة انفجار المرفأ، وانبثق عن الكارثة شيء اسمه لجنة أهالي الضحايا، وقرر حزب الله شق اللجنة، ونجم عن ذلك لجنتين، واحدة للضحايا الشيعة وثانية للمواطنين من أبناء الطوائف الأخرى!
التفاوت في الممارسات يشمل كل شيء، التظاهرات والاحتفالات وأنماط السلوك، وهو بدأ يمتد ليشمل بعض جوانب مناهج التعليم، وكل هذا يجري في ظل انطواء الدولة وتلاشيها، ولحزب الله نفوذ موازٍ في أحزاب الجماعات الأخرى أفضى إلى صمت عما يجري في مناطق نفوذه، ولهذا الصمت أيضاً أصل مذهبي وتمييزي، فالمعادلة بالنسبة لحلفاء الحزب من المسيحيين هي أن تلك بلاده وهؤلاء "أهله" فليفعل بهم ما يشاء، وهم ليسوا غرباء عما يقع بهم!
يردنا هذا الحال إلى ما قاله رئيس الجمهورية اللبنانية، ميشال عون، في الفاتيكان لجهة أن حزب الله، حزب لبناني ولا دور أمنياً له في الداخل! والصحيح أن الحزب أوقع لبنان بما هو أكثر فداحة من الصدع الأمني الذي خلفه وجود حزب مسلح أقوى من الدولة فيه، أوقعه في فصام وطني بدأت نتائجه تظهر على شكل تباين في الهوية الوطنية.
من جهة مواطن دولة حزب الله أكثر تصدراً، ومن جهة أخرى أقل حرية! وهذا فصام لم تشمله الدراسات عن مجتمعات الدول الشمولية، ذاك أنه أكثر تعقيداً وتركيباً من مجتمعات تحكمها دولة الحزب واحد!
وصحيح أن للحزب غلبة في مشاعر البيئة التي يملك فيها نفوذاً وسلطة، ولكن وسائل قياس هذه الغلبة وتحديد طبيعتها منعدمة، في ظل اختلاط العصبية المذهبية بسطوة أمنية وبثقافة الإعالة.
وما يضاعف هذه الصعوبة اختلاط مؤشرات الضبط لاحتكاكها مع تجارب الجماعات الأخرى مع أحزابها، وهي تجارب مختلفة من دون شك، ومن المفترض أن تولد لدى المحتكين بها من الشيعة تساؤلات وطموحات، ومن المرجح أن تكون هي المسؤولة عن تلك الانشقاقات الطفيفة التي تصيب الجماعة الأهلية الشيعية.
سيخوض حزب الله الانتخابات من دون منافسين حقيقيين، خلافاً للجماعات الطائفية الأخرى في لبنان. هذا ليس لأن حزب الله أكثر إقناعاً من شركائه في السلطة، إنما لأنه نمط آخر من السلطة، ففي دولة الفيدراليات المذهبية اللبنانية، يعيش الشيعة تجربة مختلفة تماماً، لكن الأخطر من الانتخابات في هذا الاختلاف، هو أننا سائرون نحو نمطي مواطنة لا يمتان إلى بعضهما البعض بصلات يمليها وجودهما في بلد واحد، فحتى المصائب، لم يشأ حزب الله أن تجمعهما.

