العلاقات الخليجية اللبنانية مقطوعة منذ العام الماضي
العلاقات الخليجية اللبنانية مقطوعة منذ العام الماضي

في الرابع من ديسمبر الأخير، أجرى كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اللذين كانا مجتمعين في جدة، اتصالا هاتفيا برئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي، في خطوة خففت من حدة قطع السعودية ومعها كل من الإمارات والكويت والبحرين واليمن العلاقات الدبلوماسية مع لبنان، في نهاية أكتوبر الأخير.

وكانت قد سبقت هذا الاجتماع الفرنسي - السعودي والاتصال الهاتفي الناجم عنه، استقالة وزير الإعلام اللبناني، في حينه، جورج قرداحي، الذي اعتبرت تصريحاته المعادية للمملكة والداعمة لـ"حوثيي" اليمن "النقطة التي أفاضت الكأس".

في حينه، تطلع ميقاتي وفريقه الدبلوماسي إلى أن يؤدي الاتصال الأول في نوعه بين رئيس الحكومة اللبنانية منذ تكليفه تشكيل حكومته وبين ولي العهد السعودي، بوساطة رئاسية فرنسية، إلى إعادة ما انقطع في العلاقات الخليجية - اللبنانية، في مهلة أسبوعين.

لكن حساب البيدر لم يأت متطابقا مع حساب الحقل، إذ سرعان ما دخل "حزب الله" على الخط، حيث رعى مؤتمرا للمعارضة البحرينية، في معاقله، بالضاحية الجنوبية لبيروت.

وأثار هذا المؤتمر استياء ميقاتي، وسطر وزير الداخلية اللبنانية المحسوب عليه، بسام المولوي، مذكرات تطلب من القوى الأمنية ترحيل هؤلاء "المعارضين" من لبنان.

بطبيعة الحال، بقيت هذه المذكرات حبرا على ورق، ليس لأن المولوي لم يكن جادا في ترجمة استياء ميقاتي، بل لأن "حزب الله"، متى وفر حماية لأي كان، فإن القوى الأمنية اللبنانية تقف مكتوفة الأيادي.

وفيما كانت الدول الخليجية المستهدفة بالخطوات التصعيدية التي اتخذها "حزب الله" تهز رأسها أسفا على ما وصلت إليه حال السلطة اللبنانية من عجز تام، أعادت الرئاسة الفرنسية، مع تراجع تحالف "حزب الله" - "حركة أمل" عن تعطيل اجتماعات مجلس الوزراء، تحريك قنوات اتصالها بالرياض، مستعينة بكل من القاهرة وأبوظبي والكويت.

لكن السعودية ذكرت المسؤولين الفرنسيين بأن الاتصال الذي وافق ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على إجرائه بميقاتي، لم يكن من دون أسس قوية ولا من دون أفق تنفيذية، على اعتبار أنه سبقه توافق على إصدار "إعلان جدة" الذي "جدد شباب" القرارات الدولية المتعلقة بلبنان والمتمحورة حول وجوب نزع سلاح "حزب الله" وترسيم الحدود اللبنانية - السورية، ناهيك عن وقف تهريب المخدرات إلى الأسواق الخليجية وإجراء الإصلاحات البنيوية ومكافحة الفساد.

وافق المسؤولون الفرنسيون على المقاربة السعودية، ولكنهم لفتوا إلى ضرورة الإسراع في وضع الحكومة أمام مسؤولياتها خصوصاً أنها لا تتوقف، من خلال الاتصال برئيسها وبعدد من "مفاتيحها"، عن الإعراب عن حسن نياتها بهدف إصلاح ما أفسده الدهر في العلاقات مع دول الخليج عموما ومع المملكة العربية السعودية خصوصا.

ولم يأت الحض الفرنسي على الإسراع في بت الأمور العالقة مع لبنان من فراغ، بل بنى نفسه على أن التأخير في تقديم المساعدات المرجوة إلى الشعب اللبناني، وفق ما جرى الاتفاق عليه بين ماكرون وبن سلمان في جدة، من شأنه أن يهدم المؤسسات التربوية والاستشفائية والخدماتية المستهدفة بالمساعدة.

وبناء عليه، دخلت الكويت على الخط، بحيث ترجمت "إعلان جدة" إلى ورقة تتضمن نقاطا واضحة.

وحازت هذه الورقة على موافقة خليجية وعربية وأوروبية وأميركية، فحملها وزير الخارجية الكويتي، أحمد ناصر المحمد الصباح، إلى المسؤولين اللبنانيين في 22 من يناير الماضي الذين صاغوا، من خارج مجلس الوزراء، الرد اللبناني الذي سلمه بعد أسبوع واحد، وزير الخارجية اللبنانية عبد الله بو حبيب، على هامش الاجتماع الوزاري التشاوري في الكويت.

مرة جديدة، دخل "حزب الله" على الخط ورعى اجتماعين لما سمي بالمعارضة في شبه الجزيرة العربية، من دون أن "توفق" وزارة الداخلية اللبنانية في محاولاتها الرامية إلى تعطيلهما، الأمر الذي أظهر أن الوعود الرسمية لا تتكئ على أي قدرات تنفيذية.

وتجمد كل شيء، ولكن بعد إعطاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوامره لقواته العسكرية بغزو أوكرانيا، في الرابع والعشرين من فبراير الماضي، عاد المسؤولون الفرنسيون إلى تحريك ملف العلاقات اللبنانية - الخليجية، على خلفية أن المخاطر على لبنان تضاعفت وتسارعت، ومن شأنها، في ضوء الارتفاع الجنوني في أسعار المحروقات كما في أسعار المواد التي تتشكل منها "السلة الغذائية"، أن تتسبب، في غضون أشهر قليلة جدا، في تجويع نسبة كبيرة من اللبنانيين الذين كانت قد قذفت بهم الكارثة المالية - الاقتصادية إلى ما دون خط الفقر.

وقد استغل المسؤولون الفرنسيون زيارة وزير الأشغال اللبناني، علي حمية، المحسوب على "حزب الله"، إلى باريس، من أجل ترسيخ الرسالة التي سبق أن أوصلوها إلى الحزب، في مناسبات دبلوماسية عدة، وتقضي بضرورة عدم إعاقة محاولات ميقاتي الهادفة إلى إصلاح العلاقات مع الدول الخليجية.

ولم تكن الرسالة مؤلفة من كلمات فحسب، بل جاءت، وفق تعبير دبلوماسي عربي في باريس، مفعمة بالإشارات أيضا، إذ أن المسؤولين الفرنسيين "فرشوا لوزير حزب الله السجاد الأحمر".

في الوقت نفسه، رفع قادة لبنانيون مناوئون لـ"حزب الله" من وتيرة مناشداتهم للمملكة العربية السعودية للعودة إلى لبنان قبل الانتخابات النيابية، وعدم ترك الساحة كليا لإيران، لما في ذلك من انعكاسات على معنويات الشعب اللبناني وعلى أوضاعه المعيشية، وتاليا على خياراته الانتخابية التي يمكن أن تصب، بشكل كبير، لمصلحة "حزب الله" وحلفائه، سواء بالاقتراع أو بالمقاطعة.

وفي خلفية هذه المطالبة اللبنانية أن استقبال قيادات دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس النظام السوري بشار الأسد، حيث تلعب إيران و"حزب الله" أدوارا عسكرية رائدة، ومهما كانت أسبابه (الاستقبال) الجيو - سياسية، يحتم أن يتم التعاطي الخليجي مع لبنان، بصرامة أخف من تلك المعتمدة، على اعتبار أن في لبنان قوى تحاول، بما تملك من قدرات، أن تواجه "حزب الله"، في حين أن الأسد ينسق معه ويرمي نفسه في أحضان إيران.

وهكذا عاد الملف اللبناني - السعودي بوساطة فرنسية إلى التحرك، فزار وفد سعودي رفيع باريس، حيث عقد اجتماعات تنسيقية كان الملف اللبناني على رأسها، وفيها تقرر أن تخصص الرياض الصندوق الفرنسي - السعودي بستة وثلاثين مليون دولار مسحوبة من "مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية"، على أن يتم البدء بتوزيعها، بعد صدور مواقف لبنانية واضحة من "إعلان جدة" و"الورقة الخليجية"، على اعتبار أن هناك من سوف يحمل هذه "المبادرة الإغاثية " أبعادا سياسية، ويجد أنها "أول الغيث".

وعليه نشطت الاتصالات اللبنانية - الفرنسية التي أسفرت عن إطلالات للرئيس نجيب ميقاتي في بعض الصحف السعودية، قبل أن يكرس مواقفه في بيان رسمي تعهد فيه بأن تلتزم حكومته بكل ما ورد في "الورقة الخليجية".

ولأن المملكة العربية السعودية علقت، ولأول مرة على موقف إيجابي يطلقه ميقاتي تجاهها وتجاه مطالبها وتجاه العلاقات اللبنانية - الخليجية، اعتبر كثيرون أن الأمور سوف تسلك مسارها السابق، وسوف يعود السفراء الذين تم سحبهم من لبنان وتم ترحيلهم من الدول الخليجية، إلى مناصبهم، قريبا جدا.

ولكن المسؤولين الفرنسيين يبدون حذرا شديدا حيال التفاؤل اللبناني الكبير، فهم متأكدون من أن السعودية قررت إرسال مساعدة إلى الشعب اللبناني، ولكنهم ليسوا كذلك، بالنسبة لعودة السفراء.

وثمة من يدعو إلى انتظار الموقف الذي سوف يصدر عن اجتماع مجلس التعاون الخليجي المقرر في السابع والعشرين من مارس الحالي، حيث سيتم البحث في المسألة اللبنانية كما في الأجوبة اللبنانية الخاصة بالورقة الخليجية.

وبين التفاؤل والاجتماع الخليجي أيام كفيلة بتوضيح السلوك اللبناني وتاليا بانقشاع الضباب عن المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الرياض.

وكان لافتا للاهتمام، أنه في ظل موجة التفاؤل هذه، وفيما شنت كتلة "حزب الله" النيابية هجوما على "الإجراءات والممارسات التعسفية والإرهابية التي يقوم بها النظام السعودي"، أقدمت المحكمة العسكرية في لبنان التي يضعها كثيرون في عهدة تحالف "التيار الوطني الحر" - "حزب الله" وفي لحظة لا يمكن ربطها منطقيا إلا بمخاوف المتضررين من عودة الاهتمام السعودي بلبنان، على الادعاء بمواد تصل عقوباتها إلى الإعدام، على رئيس "حزب القوات اللبنانية"، سمير جعجع، في ملف الاشتباكات التي شهدتها منطقة الطيونة في الرابع عشر من أكتوبر الماضي، بين مسلحي "حزب الله" و"حركة أمل" من جهة وبين سكان بلدة عين الرمانة الذين ينتمي بعضهم إلى حزب "القوات اللبنانية"، من جهة أخرى.

وفي القاموس اللبناني، فإن جعجع الذي ينشط جدا في تجهيز الأرضية الملائمة له بالانتخابات النيابية المقررة في منتصف مايو المقبل، يعتبر، منذ تدهور العلاقة بين القيادة السعودية والرئيس السابق للحكومة سعد الحريري، رجل المملكة الأول في لبنان.

وعليه، هل يمكن أن يعطل الادعاء على جعجع الإيجابيات السعودية المرتجاة؟ أم أنه يسرعها من أجل تفويت الفرصة على كل من يعمل على تعكير المياه للاصطياد فيها؟

إذا تم الركون إلى الأسبقيات، فإن هذا الادعاء المفاجئ، بهذا التوقيت، قد يعيد الأمور إلى الوراء، لأنه يظهر، مجددا، أن في لبنان نوعين من الحكام: الأول يجيد الكلام المعسول، والثاني يحترف الارتكابات الخطرة.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.