مسجد
المفهوم المادي لكلمة زكاة جاء من خلال كتب التراث والأحاديث

يتساءل كثيرون عن "الزكاة" وما هو مفهومها في القرآن الكريم، خاصة أن تفاصيل دفعها لم تذكر ولو مرة واحدة في كتاب الله.  

وقد تم ذكر كلمة "زكاة" 33 مرة في القرآن الكريم، ولكن كما ذكرنا لم يتم تحديد قيمتها في القرآن. ولم يذكر القرآن الكريم كلمة "زكاة" ولو مرة واحدة على أنها أمر له علاقة بالمال، بل استخدم كلمات أخرى مثل "الإنفاق" و"الصدقات" ليعبر عن إنفاق الأموال.  

وتم تعريف كلمة "زكاة" في القرآن الكريم بأنها تطهير النفس والروح. فكما جاء في كتاب الله " وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا  قَدْ أَفْلَحَ مَن زكَّاهَا  وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [سورة الشمس:1-10]. وكما جاء أيضاً في الذكر الحكيم " قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى" سورة الأعلى آية 15".  

أما المفهوم المادي لكلمة زكاة فجاء من خلال كتب التراث والأحاديث وليس من القرآن.  

وتعرض القرآن لمبدأ الإنفاق المالي لدعم المحتاجين في العديد من الآيات بدون وصفها بكلمة "زكاة".  

فمثلاً قوله تعالى { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } نفهم منه أن الإنفاق هو تقديم العطاء للآخرين وقد يكون ذلك فى صورة عطاء من المال كما فى الآية الكريمة :  

{ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}.  

و يشمل الإنفاق أيضاً تقديم العطاء من كل رزق الله مثل الطعام والشراب والملبس كما قال تعالى:  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم}.   

ويتحدث القرآن الكريم أيضاً عن إنفاق العفو كما فى قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ}.  فالصفح عن الآخرين والعفوعنهم إذا أخطأوا في حقك هو إنفاق فى سبيل الله.   

ويتساءل  البعض ما هي حدود الإنفاق. وتعددت الآراء والأفكار فى هذا الشأن كما يلي:  الرأي الأول: هو اثنان و نصف فى المئه على المال المدخر والذي لم يتم استخدامه لمدة عام.

الرأى الثاني: يرى أصحاب هذا الرأي أن الإنسان يجب عليه أن ينفق فى سبيل الله خمس ما يغنم:  { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}. الغنيمة فى مفهوم هؤلاء ليست محددة فقط بغنائم الحرب.  

الرأى الثالث: الإنسان ينفق فى حدود قدرته وكما يناسب حالته وظروفه ويفهم ذلك من قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ}.  

الرأى الرابع : هو أن الإنسان مفروض عليه أن ينفق مما يحب { لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ }.   

الرأي الخامس : أن الإنفاق ليس له حدود فهو سباق مفتوح فى عمل الخيرات.   

{ أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}.  

و للقارئ الحق بالأخذ بأي من هذه الآراء و إنفاقه طالما القلب سليم والنية خالصة.

وأغرب ما في الأمر أن الصراع التاريخي الذي وصل إلى قتال وحروب وذبح ودماء وسبي نساء في بداية الإسلام، وبعد موت  الرسول تحت ما يسمى حروب الردة في عهد أبو بكر (أول خليفة في دولة الخلافة الإسلامية الأولى) قامت أساساً بسبب منع "الزكاة" بمفهومها المالي  وهو"ضرائب يتم دفعها من المحكوم إلى الحاكم"... بالرغم من أن الكلمة لم يذكر القرآن الكريم أي مفهوم مالي محدد لها!  

ومن الجدير بالذكر أن ما فعله أبو بكر من قتال الناس لأجل ما أسماه بالـ"زكاة" يتعارض وبشدة مع ماجاء في آيات القرآن الكريم بوضوح "لا إكراه في الدين"، و"فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"- ولكن يبدو أن أبو بكر كان له رأي آخر!   

فقد روى البخاري عن أبي هريرة قال : (لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله. قال أبو بكر : “والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها". قال عمر : "فوالله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق").  

فهل آن الأوان ليتم مراجعة مفاهيم ظننا لقرون عديدة أنها مقدسة!  

وللحديث بقية!   

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.