هناك مصلحة مشتركة في إعادة تثبيت العلاقة
هناك مصلحة مشتركة في إعادة تثبيت العلاقة

التشنج في العلاقة بين واشنطن من جهة والرياض وأبوظبي من جهة أخرى هو محط قلق لمن يخشى على العلاقة الاستراتيجية والمصالح الأمنية والاقتصادية التي أحاطتها منذ عقود.

اليوم، السعودية والإمارات خرجا بخلافهما مع إدارة بايدن إلى العلن بشكل عكس حجم الاستياء والتردي في علاقة هي الأثمن لأمن المنطقة وملفاتها الحيوية.

فمن تسريبات وول ستريت جورنال ورويترز بأن القيادات السعودية والإماراتية رفضت اتصالا هاتفيا من بايدن، إلى إلغاء وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن زيارته لكل من الرياض وأبوظبي، هناك تأزم ملحوظ وسلبية في العلاقة بدأت تتضح علاماتها الإقليمية.

بالنسبة للسعودية والإمارات، بايدن أخطأ في رفع ميليشيا الحوثي عن لائحة الإرهاب، وأخطأ في الانسحاب من أفغانستان، ويخطئ في مفاوضاته مع إيران.

بالنسبة لأميركا، حرب اليمن عشواء، التحديات الاستراتيجية هي شرقا من الصين، والحوار مع إيران ضروري لتفادي سباق نووي.

الجدل والنقاش ممكن في شتى هذه القضايا وأميركا بدون شك قد تكون أخطأت في بعض هذه الملفات، إنما المشكلة اليوم التي يرتكبها الخليج هي في شخصنة الخلاف وحصره بشخص الرئيس الأميركي بايدن.

الأقلام والأبواق التي تسخر من بايدن وتبكي فوق أطلال دونالد ترامب، يغيب عنها اليوم أن العلاقة الاستراتيجية هي بين دول، ومبنية على مصالح، وليس على ساعة نوم بايدن أو البرامج التلفزيونية التي يتابعها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

فلا ترامب رد على الاعتداء الذي ضرب منشآت نفطية لأرامكو حين كان رئيسا، ولا بايدن رد على استهداف الحوثيين لأبوظبي.

بالنظر إلى القضايا الجوهرية الخلافية، على الطرفين إدراك أن كليهما تغير اليوم. أميركا 2022 ليست أميركا 2003، والشرق الأوسط هو جسر أمني واقتصادي لها من دون أن يكون أولوية سياسية. كذلك السعودية والإمارات في 2022 يختلفان عما كانا عليه في 2002، ومبادرة السلام العربية حينها، وتحولا إلى رؤية داخلية وإقليمية مبنية على اتجاه قومي وأكثر طموحا في الخارج.

هذا الطموح دفع إلى تصادم مع بايدن، ظنا أن الصين أو روسيا أو غيرهم قادران على استبدال أميركا. ها هي روسيا تغرق في وحول أوكرانيا وتهشم سفينتها النيران في مرفأ بيرديانسك. أما الصين فهي من دون شك شريك اقتصادي وعملاق تجاري يحمل رؤية مستقبلية ناجحة، إنما هي ليست بموقع استخباراتي وأمني يلبي مصالح الخليج. إذا الحاجة إلى أميركا مستمرة، سواء كان اسم الرئيس بايدن أو ترامب أو جورج بوش.

في نفس السياق، هناك افتراض أميركي خاطئ بأن السعودية والإمارات سيقبلان بضخ المزيد من النفط وباتفاق نووي مع إيران من دون مقابل. وهنا جاءت التسريبات الإعلامية وبعضها طائش لتحرج الجانبين، وتنقل اعتراضاتهم.

العلاقة الخليجية - الأميركية هي أكبر من أن تفشل اليوم، وهناك حاجة ماسة لإعادة اتزانها وضخ جرعة كبيرة من الحوار فيها. فلا السعودية والإمارات هما بغنى عن واشنطن حين يتعلق الأمر بمصالحهما الأمنية، ولا أميركا تستفيد من تراجع تأثيرها ودخول الصين كلاعب اقتصادي ودفاعي.

اليوم، شخصنة الخلاف وتحويله تارة حول بايدن وتارة حول الأمير محمد بن سلمان يضر مصالح الطرفين. الحاجة هي إلى خطة استراتيجية ذات بنود واضحة للالتقاء حول مصالح مشتركة للجميع. هذا يعني ضمانات أمنية من واشنطن، وتعاون سياسي واقتصادي من الخليج.

الاتفاق الإيراني في حال تم، محوره النشاط النووي، وهنا الصين وأميركا وفرنسا وألمانيا وروسيا متفقين على ضرورته، والعتب في حال اختاره البعض يجب أن يكون على الجميع وليس فقط على واشنطن. أما إعادة وضع الحوثيين على لائحة الإرهاب فلها أيضا بعد داخلي. وبدل ركوب معسكر اليمين أو ترامب، على عواصم الخليج التواصل وإعادة كسب الديمقراطيين واليسار الأميركي وليس تجاهله.

الأصوات التي تدعو للتوجه شرقا وتصور الخلاف بأنه شخصي بين بايدن والأمير محمد تجهل اليوم عمق المصالح الاستراتيجية بين البلدين وأطر العلاقة التاريخية، التي لا يمكن استبدالها بقطع صينية أو دبابات روسية تحتاج لمن يطفئها في ماريوبول. هناك مصلحة مشتركة في إعادة تثبيت العلاقة ولقاء بلينكن بولي عهد أبوظبي محمد بن زايد في الرباط هو بداية لذلك.

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.