الحرب أجبرت الملايين على ترك بيوتهم والهرب من أوكرانيا
الحرب أجبرت الملايين على ترك بيوتهم والهرب من أوكرانيا

تعتبر الصراعات والحروب أهم مسببات اللجوء وأقساها دون منازع، وبحسب الأرقام التقديرية الصادرة عن مفوضية شؤون اللاجئين في نوفمبر الماضي، تجاوز عدد النازحين واللاجئين حول العالم في العقدين الفائتين 84 مليون إنسان، هرب معظمهم من حروب وصراعات في بلدانهم. 

فإن أضفنا إليهم الأرقام المعلنة من الجانب الأوكراني الرسمي التي تحدثت عن عشرة ملايين نازح وثلاثة ملايين لاجىء خلال شهر واحد فقط، يعني أننا نتحدث عن ثلاثة عشرة مليون منكوب مضاف، والرقم في تصاعد. 

ورغم قسوة هذه الحقيقة التي تستلزم التعاطف الدولي وتضافر الجهود لأجل التخفيف من وطأتها، ارتفعت أصوات ومشاعر مضادة، وأثيرت مظلوميات وحساسيات من قبل بعض شعوب العالم الأخرى، وفتحت أبواب العتب والاتهامات بالتمييز بسبب سرعة ونوعية الاهتمام العالمي والأوروبي بالأوكرانيين، بل والتفاني في الترحيب بهم ودعوتهم لاستقبالهم في بيوتهم . 

وهي مشاعر وحساسيات متراكمة قد تكون صادقة في بعض جوانبها، لكنها تثار في غير وقتها، ودون أن يعني ذلك نفي حدوث بعض الانتهاكات التمييزية مع بعض اللاجئين غير الأوكرانيين سابقاً وحالياً، والاقرار بوجود مشاعر عنصرية لدى بعض الأفراد أو الجهات المعنية، مع أهمية الانتباه بالمقابل إلى تحاشي الانزلاق إلى فخ التعميم.  

تفاني شعوب العالم الحر ومنها الشعوب الأوربية يمكن تفهمه استناداً لعدد من الأسباب، في مقدمها رسوخ القيم الانسانية لدى هذه الشعوب التي تناهض المظالم والحروب في كل بقاع العالم وتقف في وجه ساستها وتدينهم عبر مظاهرات حاشدة وتشكل رأي عام مضاد لقادة الحروب، سبق للعالم أن شهد الكثير منها ضد الحرب على العراق أو على غزة أو غيرها. 

كما تندفع هذه الشعوب وتتفانى نتيجة لشعور عام سائد يقدر هول كارثة أوكرانيا، والإحساس بالخطر الذي قد يطالهم في أية لحظة. إضافة إلى الإحساس الشعبي والرسمي معاً بالصدمة والسرعة غير المتوقعة التي تسارعت فيها الأحداث، والتي أفضت إلى تشريد الملايين، معظمهم من النساء والأطفال، خلال أيام معدودة.  

مع أهمية الاشارة إلى اختلاف المعطيات لكل حرب وردود الفعل العالمي اتجاهها، إذ أن خصوصية الحرب في ليبيا مثلا- مع احترام وتقدير معاناة المدنيين فيها- تختلف عن خصوصية الحرب على أوكرانيا اليوم، والتي لامست تداعياتها الكارثية السريعة كل دول العالم خلال ساعات قليلة، واحتمال تصاعدها وتطورها إلى دمار العالم بأسره. من يدري؟! 

ولأجل تنشيط الذاكرة، سبق للعديد من دول العالم بما فيها بعض الدول العربية النبيلة أن فتحت أبوابها لملايين اللاجئين في العقدين الفائتين، في حين أغلقت معظم الدول التي تعتبر"حليفة أو شقيقة " لدولهم، حدودها في وجوههم، وهي دول قادرة اقتصادياً ولوجستياً على تحمل أعبائهم، ترفض معظمها حتى اليوم منح تأشيرات زيارة عادية للعديد من الجنسيات المنكوبة. 

اختبار النزوح أو اللجوء، اختبار شديد القسوة للكرامة الانسانية، والتضامن العالمي لحفظ الكرامات موقف أخلاقي غير مسيس، عابر للطوائف والأعراق والاثنيات. يطالب به الجميع، وبشكل خاص شركاء المظالم، أي الشعوب التي امتحنت النزوح أو اللجوء سابقاً، وتدرك معنى التشرد ومعنى القهر. 

يعيش اللاجىء الأوكراني اليوم امتحانه العسير الذي لايختلف إنسانياً عن الامتحان الذي مرّ به اللاجىء العراقي واليمني والسوري والفلسطيني والأفغاني أو غيرهم. كل منهم، فرَّ في لحظة جهنمية من منزله العامر، ربما خرج مسرعاً بفردتي حذاء مختلفتين، وربما بلا حذاء. لم يحظ برفاهية وداع منزله أو إغلاق نوافذه أو وضع بعض الماء لزريعته الخضراء في الشرفة. وربما ترك خلفه أباً عاجزاً أو أماً أو جداً أو جاراً عزيزاً، تركوا لمصائرهم وحيدين تحت سقف قد ينهار في أي لحظة. 

لايعيش اللاجئ الأوكراني في مثل هذه الأوقات أسعد أوقاته واطمئنانه لأنهم قوبل بحفاوة. بل يقاسي الأمرين في واقع الأمر، كما قاسى كل لاجىء حول العالم من تفاصيل تبتدئ بالنوم فوق فراش غريب، وفقدان الخصوصية وتقاسم فضاء المكان مع الآلاف باختلاف أمزجتهم وروائحهم. والتزام الصمت وسط الآلاف في العراء تحت أحلك ظروف جوية، ومدارة القلق وخطوط التيه التي ترتسم على الملامح إلى أمد طويل.  

سيواجه هذا اللاجىء، أجلاً أم عاجلاً، أعباء اللجوء واختلاف اللغات والثقافات والمجتمعات ومصاعب الاندماج واحتماليات التصادم. أي بيت سيقطنه في دول اللجوء، مهما كان مريحاً، لن ينسيه منزله الأم ومعانيه الرمزية. سيأكله الحنين وينهشه الحزن وينغصان عليه كل أوقاته، وسيتابع عن بعد عبر شاشات التلفزة رؤية دمار ماتبقى من أرزاق البلاد وبيوتها وملاعبها وأشجارها. وسيبكي بمرارة كل صباح وهو يسأل: متى سأعود؟. 

جراح طالت وستطال كل لاجىء، أيا كانت جنسيته، وتستوطن في روحه إلى وقت طويل. يمكن التخفيف من آلامها ووقعها في النفس وجبر الخواطر عبر بعض التضامن الانساني كواجب أخلاقي يُساءل عليه من امتحن هذه الآلام أو لم يمتحنها بعد. حيث أثبتت الحرب على أوكرانيا، أن الأمان والسلام العالميين محض وهمين، ومامن أحد على رأسه"خيمة" كما يقول المثل الشعبي. 

في مثل هذه اللحظات التاريخية التي تدخل فيها الحرب على أوكرانيا شهرها الثاني، وفيما الآلة العسكرية مستمرة في تغولها في حرب تبدو مثل كسر عظم، أعلنت الأمم المتحدة أن نصف أطفال أوكرانيا تهجروا منذ بدء هذه الحرب على بلادهم، أي أن نصف مستقبل أوكرانيا في شقاء اللجوء، والنصف الثاني تحت الخطر. أفلا نتضامن أو نرفق؟؟؟ 

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.