بالنسبة لي وبدون تردد، تثبت عملية الانتخابات التي جرت مؤخرا في الأردن لانتخاب البلديات ومجالس المحافظات أن الوعي الجمعي الأردن ممسوخ إلى حد كبير، وأن الحديث عن الإصلاح السياسي "الديمقراطي" ترف سياسي أمام غياب مفاهيم الدولة والمواطنة بأركانها من حقوق وواجبات، وعدم فهم المعنى الدستوري وغياب العدالة القانونية واضمحلال حضور المؤسسات.
الديمقراطية ليست صناديق اقتراع ولا هي آليات انتخاب يرى فيها من ينظمها "حالة إعجاز"! إعجاز أمام ماذا بالضبط هذا الذي يراه رئيس الهيئة العليا للانتخابات؟
كل ما تابعته كان عرسا قبائليا ومناطقيا غاب عنه حضور الدولة كمفهوم يفترض أن يكون راسخا عند الجميع، واستبدله هذا "الجميع" بحضور مناطقي ووجاهي وبمنطق قبلي متفتت قوامه ثأريات قبلية وعشائرية ومناطقية، وهذا المسخ لم يأت من فراغ، بل تم تغذيته وتنميته عبر سنوات طويلة بمشاتل القرار الرسمي.
البلديات هي مؤسسات خدمية بالدرجة الأولى، وكذلك مجالس المحافظات التي يتعذر علي فهم ضرورة وجودها الحقيقي إلا للتنفيعات. لكن الشعارات التي رفعها غالبية المرشحين كانت بعيدة عن جوهر الخدمة البلدية المباشرة، فما هو الرابط بين "المرأة نصف المجتمع" كشعار لمرشح في بلدية ما وواقع تلك المدينة البائس بالنفايات والخدمات الرديئة والشوارع المتهتكة بالإهمال.
أثناء وجودي في الأردن، وكنت في منتصف أعمال شخصية عائلية تتعلق ببيع عقارات للأسرة، تعمدت قدر الإمكان وبإصرار ألا أستخدم الواسطة مطلقا، والواسطة في الأردن مؤسسة حاضرة بقوة، لتدوين وتوثيق "الفساد الإداري وترهله" كشاهد عيان صحفي.
ومن جملة الغرائب كان أن قطعة أرض صغيرة جدا تملكها الأسرة، مشرفة على شارعين رئيسيين قد تم إلقاء كميات من الطمم والردم فيها إلى حد شوه القطعة وجعلها في حالة شلل في عملية البيع، وحين توجهت للبلدية "التي تديرها المحافظة" للشكوى والبحث عن حل، كان المقترح أن أحضر إثباتا بمن يلقي الطمم والردم!!
طبعا لم أيأس من الطلب التعجيزي وكلفت شخصا بمهمة مدفوعة أن يراقب الأرض لعله يحظى بفرصة تصوير من يلقي الطمم والنفايات بكميات كبيرة تحتاج شاحنات ثقيلة، وكانت المفاجأة حين استطاع من كلفته بالمهمة أن يصور لي مقاطع فيديو لسيارات البلدية نفسها وهي تلقي الردم والنفايات على الأرض الخاصة بنا وعلى طرف شارع رئيس! البلدية نفسها المكلفة بمخالفة من يفعل ذلك وتغريمه تقوم بالجرم ذاته.
واجهت السلطات المحلية بالوقائع المصورة، وبعد إدراج نشرته على الفيسبوك كانت ذات الشاحنات تزيل الردم والنفايات عن الأرض (وتلك كلف مالية يتحملها دافع الضريبة) لكن بقي السؤال عالقا: ماذا لو لم أثبت بالصور جريمة البلدية بحق مدينتها؟
القصة ليست عرضا لمشكلة شخصية وجدت حلها أساسا، بل لبيان تعقيدات الوعي الممسوخ الذي رافق كل العملية الانتخابية، وتشوه مفهوم الخدمة العامة لتصبح خدمة منافع شخصية ضمن قانون عنوانه "الحظ بالخدمة للأكثر نفوذا".
بعد الانتخابات، أشاهد فيديوهات ناجحين مناطقيا، تؤكد أنهم الأجدر لمواقعهم "وهي مواقع لا سلطة حقيقية فيها لكن فيها الكثير من النفوذ"، طبعا مع احتفالات بالنجاح يتخللها إطلاق عيارات نارية وأغان شعبية ودبكات محتواها اللفظي "مناكفات شعبوية ضيقة".
وأحاول بعد ذلك جاهدا فهم الربح والخسارة في مغامرة مرشح، أي مرشح، يدفع أموالا بآلاف الدنانير لحملته الانتخابية فينتهي عضو مجلس بلدي أو مجلس محافظة لا سلطة قرار لديه، وليس لتوقيعه قيمة على ورقة رسمية، لكن لحضوره وتمريره "طلبات جانبية" قوة تنفيذية عند من يملك القرار والقدرة على التوقيع.
لا يمكن توصيف تلك الحالة بحالة ديمقراطية، هي حالة "نفعقراطية" استطاع الأردن بجدارة أن يدرجها في مسيرة الفكر السياسي للبشرية وبامتياز.
ومع ذلك.. لا يزال صاحب القرار السياسي المركزي للأردن مصرا على ضرورة استحضار وخلق حياة ديمقراطية حزبية ينتخب فيها الناس مجلسهم التشريعي، بل وانتخاب الحكومات على أسس برامج حزبية سياسية!!
أنا أتمنى ذلك، وبشدة، لكن أقف عند سؤال جوهري ومهم قبل كل ذلك: من سينتخب من؟ وبين كل "من" و"من" هناك فجوة وعي وإدراك واسعة وفراغ مملوء بالشعارات التي لا معنى لها.
دولة المؤسسات والقانون تحتاج فهما للمؤسسات والقانون، وهذا يتطلب إعادة تأهيل للوعي الجمعي لينتهي بوضع كل مؤسسة في دورها الوظيفي الأصيل، وكل ذلك يبدأ من التعليم الذي تشوه أول ما بدأت منهجية التشويه، من خلال تلقين كل تلك الأجيال علوم الدجل والشعوذة المختلطة بإنشائيات وطنية "ترابية" لا حشو معرفي حقيقي فيها.
المفارقة الأكبر في كل المشهد ما حدث بعد الانتخابات في ذلك "العرس الديمقراطي" من اعتقالات وتوقيفات غير مبررة ولا منطقية، فمن تم اعتقالهم، على اختلاف طروحاتهم، أصحاب رأي تم التضييق عليه بقوة وعنف، ومنهم أشخاص لا أتفق معهم ولا مع طروحاتهم لكنني لا أرى سببا لاحتجاز حرياتهم إلا ضيق أفق في سياق مناكفات بعقلية بوليسية.
للمرة الألف: الدولة، يا صاحب القرار، هي ألا يحدث ذلك كله.

