برلمانيون عراقيون من التيار الصدري
"خطورة الثلث المعطّل، تكمن في إمكانية بقاء منظومة الحكم تحت هيمنة التوافقات الهشّة"

"لَبننة العراق"، لم يكن وصفاً مجازياً؛ فبعد تثبيت هيمنة زعماء الطوائف على نظام الحكم، وتجربة الحرب الطائفية، وثنائية السلاح والسياسة، صرنا اليوم نستنسخ تجربةَ "الثلث المعطّل" أو "الثلث الضامن" كما أسموها اللبنانيين بعد اتفاق الدوحة في 2008.

وسياسيونا، كعادتهم، تستهويهم تجارب الدول في الفشل والفوضى والخراب أكثر من تجارب البلدان التي تنجح في التنمية والعمران! 

ما حدث في جلسة يوم أمس هو ثبيت لمفهوم جديد في العَملية السياسية اسمه "الثلث المعطّل"، بعد أن نجحت قوى الإطار التنسيقي، ومَن تحالف معهم، في عدم اكتمال نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف مرشَّح الكتلة النيابية الأكثر عدداً. ورغم أنَّ المعركة لم تحسَم بعد، إلا أن استخدام سلاح الثلث المعطّل بات خياراً مطروحاً في صراع الجبهات السياسية مستقبلاً.

أخطر ما يمكن أن نفعله هو الركون إلى التبسيط المغري في توصيف "الثلث المعطّل" باعتباره مناورة سياسية، لأنّه يرسّخ نظام الحكم التوافقي في العراق. ولَيته كان توافقياً حقيقاً، لأنّه في واقع الحال، نظام حكم لزعماء الطبقة السياسية وتوافقهم على تقاسم مغانم السلطة، وليس التشاركية في صنع السياسات العامة وإدارة الدولة.

والعودة إلى التوافقية بين الفرقاء السياسيين لتشكيل الحكومات، تعني العودة إلى معادلة (الجميع في السلطة، والجميع في المعارضة) التي شوهت النظامَ البرلماني وكانت السبب الرئيسي في غياب المحاسبة والمساءلة. وإنتاج حكومات فاشلة وعاجزة عن توفير أبسط متطلبات الخدمات العامة. 

وتسمية الثلث المعطّل بـ"الثلث الضامن"، يراد منها ضمان حقّ المكوّن الشيعي باعتباره الكتلة النيابية الأكثر عدداً والتي تسمّي رئيس مجلس الوزراء. وهي آخر صيحات التلاعب بالمفاهيم السياسية والمتاجرة بحقّ أبناء المكوّن الشيعي. فكيف تكون الأغلبية المكوناتية تبحث عن التعطيل؟ لأنّه يفترض أنَّ الأقلية، في النظام التوافقي، هي مَن تبحث عن الضمانات وليس الأغلبية!

وهنا تحديداً، لا تريد بعض أحزاب السلطة الشيعية الاعتراف بأنّها خسرت مقاعدها، في انتخابات أكتوبر، لمصلحة قوى سياسية جديدة صاعدة، والواقع القائم ما هو إلا تعبير عن رفض أبناء المناطق الشيعية لِطريقتهم بالحكم وعجزهم عن توثيق العلاقة مع جمهورهم الذي يدعون تمثيله، ويتحدثون باسمه، لكنّهم لم يقدموا لهم الخدمات ولم يعالجوا مشاكل البطالة التي أصبحت محرقة لطموحاتهم ومستقبلهم، ويعانون من الفقر والحرمان. 

في الدورات الانتخابية السابقة كانت حصّة القوى السياسية الشيعية التقليدية مجتمعة لا تقل عن 185 مقعداً نيابياً، لكن في الانتخابات الأخيرة، خسرت هذه القوى 45 مقعداً لصالح عناوين سياسية جديدة بعضها مستقل حقيقة والبعض الآخر استخدم هذا العنوان للوصول إلى البرلمان. ولذلك لا تريد تلك القوى التقليدية أن تعترف بأخطائها التي جعلتها تخسر مقاعدها.

وبالنتيجة بات الركون إلى الثلث المعطّل هو خيارها بعد أن كانت تملك زمام المبادرة في تشكيل الحكومات، وتنقلب على دعواتها السابقة في تشكيل حكومة أغلبية وطنية ومغادرة التوافقية!

خطورة الثلث المعطّل، تكمن في إمكانية بقاء منظومة الحكم تحت هيمنة التوافقات الهشّة التي لم تنتج حكومات ضعيفة وفاشلة بسبب غياب المعارضة. والركن الهام في الديمقراطية هو وجود المعارضة، ولكن عندما يكون طريق تشكيل الحكومة الوحيد هو التوافق والتراضي بين أغلب الكتل فإنَّ ذلك سيُلغي عَمليّاً وجود أي معارضة لها داخل البرلمان، مما يضرّ بالنهج الديمقراطي عندما يغيب مَن يصوّب وينتقد ويعطي بدائل لِلسياسات الحكومية.

يجادل الكثير مِن دُعاة الإبقاء على التوافقية بأنَّ تجربة الحكم في العراق لا تزال غير متهيئة لتشكيل حكومة أغلبية ونحتاج إلى البقاء على الأعراف التوافقية.

بغض النظر عن مصداقية هذا الادعاء، لكنَّ البيئة السياسية أيضاً غير متهيئة لِتجربة "الثلث المعطّل"! لأنَّ الثلث المعطّل يفترض أن يكون فاعلاً داخل قبّة البرلمان لمعارضة الحكومة فهو يمثّل ضماناً عددياً لِتفعيل دَور المراقبة والمحاسبة البرلمانية. وليس وسيلة لِضمان تشكيل الحكومة على أساس التوافقية.

ومعضلة القوى السياسية التي يجمعها الثلث المعطّل، أنها لا تجتمع على مشروع لتوظيف نصاب الثلث الذي يعطَّل، وإنما هي تحالف هشّ يجمعه الرغبة في المشاركة بالحكومة وتعطيل القوى التي تملك الأغلبية ولا تملك الثلثَين لتسمية رئيس الجمهورية ومن ثمَّ تكليف رئيس مجلس الوزراء.

ولذلك باتت وظيفة الثلث المعطّل هو ضمان الإبقاء على التوافقية والتي تُعَد فرصة لِضمان البقاء ضمن دائرة السلطة والنفوذ، وتوفر حصانة من استئثار خصوهم السياسيين بالمناصب ومغانم الحكم.  

الثلث المعطل هو انتكاسة وعثرة أمام نضوج تجربة النظام الديمقراطي في العراق وإمكانية مغادرة تجربة الحكومات التوافقية، بعد أن تحوَّل إلى أقوى أدوات الصراع على السلطة والنفوذ. فهو ليس سلاح بيد الأقليات التي يمكن أن تتحالف وتشكل الثلث المعطل، وإنما تستخدمه قوى وأحزاب السلطة لِكسر إرادات بعضها الآخر.

الخروج مِن هيمنة التوافقية على نظام الحكم، هو ليس ضامناً لإصلاح النظام السياسي وتجاوز أخطاء الماضي، لأنَّ القوى التي تحالفت لِتشكيل حكومة الأغلبية لم تجمعها مشروع سياسي واضح الملامح، وهي نفسها خرجت مِن رحم المنظومة السياسية التي تعودت على تبرير الفشل وشرعنة الفساد.

لكن رغم ذلك، يبقى الذهاب نحو تشكيل حكومة أغلبية خطوة بالاتجاه الصحيح لكسر دائرة التوافقات السياسية التي تُعد السبب الأول والأخير في بقاء وديمومة هذه الطبقة السياسية العاجزة عن معالجة أوجاع العراقيين والحيف المتراكم الذي لحق بهم. لكن يبدو أن آمال العراقيين البسيطة ترفض أن تغادر لحظة الصفر.

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.