الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحتفل بذكرى ضم إقليم القرم الأوكراني
"لأهم في هذه الحرب أن موسكو لم تعد قادرة على إنكار الوقائع"

دخلت الحرب الروسية على أوكرانيا شهرها الثاني، والواقع الميداني يُظهر أن القوات الغازية قد وقعت في كمين استراتيجي، نتيجة خطأ فادح في الحسابات العسكرية والأمنية، وعلى الأغلب أن هناك سوء تقدير أمني لقدرات الجيش الأوكراني من جهة.

ومن جهة أخرى يبدو أن الجيش الروسي لم يكن مؤهلا عسكريا لخوض هذه المعركة، والواضح من هذه المعادلة أنه داخل أروقة صناعة القرار الروسي هناك من قام بتزويد القيادة السياسية بمعلومات غير دقيقة عن وضع الطرفين.

من الممكن القول إن هناك فشلا أمنيا روسيا واضحا في أوكرانيا، حيث لم تنجح الوحدات الخاصة الروسية العسكرية والأمنية في تحقيق أي اختراق منذ بداية الحرب، إذ كان من المتوقع أن تنجح فرق العمليات الخاصة من القيام بمهمات أمنية.

ولكن حتى الآن، نجحت الأجهزة الأمنية الأوكرانية في حماية قيادتها السياسية والعسكرية، كما أن القوات الخاصة الروسية خيبت التوقعات بأنها قادرة على السيطرة على مبان حكومية في العاصمة، كييف، من أجل تحقيق ضربة معنوية ضد الأوكرانيين، لكن كل هذه التوقعات التي أوحى بها الكرملين في الساعات الأولى للغزو لم يتحقق منها شيء.

المفاجأة أن الجيش الروسي قد انتقل من مرحلة الهجوم إلى الدفاع خصوصا في محيط العاصمة، وفي المقاييس العسكرية يعتبر ذلك فشلا ذريعا، حيث استطاع الأوكرانيون الانتقال إلى الهجوم ولو بشكل محدود، ومنع جحافل الجيش الروسي المتفوقة بشكل كبير من التقدم، وعلى الأرجح فإن هذا يعود إلى أن الأوكرانيين قد استعدوا جيدا لهذه المعركة، كما أن الدعم التقني الغربي ساعدهم سريعا على عرقلة التقدم الروسي وإجباره على التراجع في كثير من الجبهات.

بعيدا عن سير الأعمال العسكرية وحجم التقدم الروسي وقوة الصمود الأوكراني، إلا أن الأهم في هذه الحرب أن موسكو لم تعد قادرة على إنكار الوقائع وقد تضطر قريبا إلى الاعتراف بحجم الخسائر التي تكبدتها ولو جزئيا، لكن الأهم كيف ستتعامل القيادة السياسية مع هذه الوقائع.

إذا، القيادة الروسية تتحمل المسؤولية خصوصا الرئيس، فلادمير بوتين، الذي وثق بتقارير تقدمها له أجهزته الأمنية والعسكرية، وبات من المحتمل أن هذه الأجهزة قد حجبت معلومات عنه، فهي على الأرجح لم تُطلعه على حالة الجيش الروسي، ومن الممكن أنها لم تقدم تقديرا واقعيا عن قوة الجيش الأوكراني، كما أن هناك معضلة استخباراتية أخرى بأنه حتى الأجهزة الأمنية الروسية لم تستطع أن تخترق الجانب الأوكراني وفشلت في الحصول على معلومات دقيقة عن القوات المسلحة الأوكرانية.

هذا التقدير يمكن أن يحمّل الأجهزة الأمنية الروسية مسؤولية الإخفاق العسكري، لكن المسؤولية تقع أيضا على عاتق الرئيس الروسي، الذي أحاط نفسه بمستشارين ومساعدين يطلعونه على ما يرضيه فقط، وحجبوا عنه المعلومات التي تشكف حالة الترهل التي تصيب قواته المسلحة، وعدم جاهزيته لخوض معركة خاطفة، وغير جاهزة لمعركة طويلة الأمد، هذا المأزق سببه طبيعة أنظمة حكم الشخص الواحد الذي يحيط نفسه بالأشخاص الأكثر ولاء ويمارسون تضليلا معلوماتيا للحفاظ على مكاسبهم ومواقعهم.

فاجعة بوتين في أوكرانيا ليست فقط بسبب تضليله عسكريا، بل تم خداعه سياسيا، فكل الرهانات على انقلاب عسكري أوكراني على السلطة السياسية انتهت في اليوم الثالث للغزو، كما أن القيادة الروسية صدمت بالالتفاف الشعبي حول القيادة الأوكرانية حتى في المناطق الناطقة بالروسية، حيث يواجه بوتين وحدة وطنية أوكرانية وقرارا جماعيا بالمواجهة حتى النهاية.

فعليا هناك من خدع بوتين لكن الحقيقة هو من خدع نفسه، ولا يمكن لحركة الاعتقالات والإقالات في المواقع العسكرية والأمنية التي يجريها حاليا أن تساعده على انتشال قواته من وحول أوكرانيا.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.