من المتوقع أن يلتقي بايدن جنودا اميركيين يتمركزون في المنطقة ومنظمات غير حكومية تساعد اللاجئين الفارين من أوكرانيا
الناتو نفى أنه يريد تغيير نظام الحكم في روسيا

خلال ساعات وصف الرئيس بايدن نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، بـ"الجزّار"، وبدا وكأنه يدعو الى الإطاحة به وتغيير النظام في موسكو وذلك في نهاية خطاب حاد اللهجة اختتم به جولته الاوروبية التي سعى فيها إلى تعزيز الجبهة الدولية التي ساهم بإقامتها وقيادتها لمعاقبة روسيا على غزوها لأوكرانيا.  

وفي الاسابيع التي تلت غزو أوكرانيا وجه بايدن إلى بوتين نعوتا واهانات مختلفة عكست عمق غضبه من الرجل الذي زج القارة الاوروبية الى أسوأ وأكثر نزاع دموية منذ الحرب العالمية الثانية، من بينها "بلطجي" و “ "ديكتاتور" و "مجرم حرب" وهي تهمة اذا تم دعمها بالأدلة يمكن تؤدي ، نظريا على الاقل، الى محاكمة بوتين امام محكمة الجنايات الدولية. 

خطاب بايدن أمام قصر بولندي تاريخي في وارسو، العاصمة البولندية تم تدميره خلال الحرب العالمية الثانية وبحضور المئات من الشخصيات البولندية والأوكرانية، كان خطابا بليغا للغاية وتاريخيا بالفعل لأنه لخّص جوهر النزاع الحالي في أوروبا، والذي تحول فعليا الى مواجهة مصيرية بين الحرية والطغيان، وهذا ما عناه بايدن حين قال "في النضال المستمر من أجل الديمقراطية والحرية، أوكرانيا وشعبها هم في الخطوط الأمامية يحاربون لإنقاذ أمتهم، ومقاومتهم الشجاعة هي جزء من نضال أوسع لحماية المبادئ الديموقراطية الجوهرية التي توحّد جميع الشعوب الحرة". 

التزم بايدن بقراءة النص المكتوب إلى أن وصل الى نهاية خطابه حين خرج عن النص وعن انضباطه، قائلا "سيكون لنا مستقبل مختلف، مستقبل أكثر إشراقًا متجذر في الديموقراطية والمبادئ  والأمل والنور، مستقبل من الأخلاق والكرامة والحرية والامكانيات. وأضاف "بحقّ الله، لا يمكن لهذا الرجل (بوتين) البقاء في السلطة". 

وسارع البيت الابيض – وهذه ليست المرة الأولى -  الى "توضيح" ما قصده بايدن، حين قال أحد المسؤولين "النقطة التي اثارها الرئيس هي انه يجب عدم السماح لبوتين بأن يمارس سلطاته فوق جيرانه او في المنطقة، وهو لم يكن يناقش سلطة بوتين في روسيا، أو تغيير النظام " في موسكو. طبعا، حتى مؤيدي الرئيس بايدن والمتعاطفين مع مواقفه سوف يقولون أنه كان يقصد ان بوتين يجب أن لا يبقى في السلطة في موسكو، وان كان أفضل تفسير لما قاله هو ان الروس أنفسهم يجب أن يتخلصوا منه. لاحقا قال وزير الخارجية أنطوني بلينكن " كما قلنا مرارا، ليس لدينا استراتيجية لتغيير النظام في روسيا، أو في أي مكان آخر في العالم.."  

وفور انتهاء الخطاب، تحولت الكلمات التسعة لبايدن حول مستقبل بوتين، إلى العنوان الرئيسي للخطاب وحتى لمجمل جولة بايدن الاوروبية في وسائل الاعلام الاميركية والعالمية، وكانت المادة الرئيسية في برامج الحوارات التلفزيونية الاميركية صباح الاحد. 

أي مراجعة موضوعية لما قام به الرئيس بايدن خلال الاشهر التي سبقت الحرب، وفي الاسابيع التي تلت الغزو تبين انه تصرف بحكمة ورويّة وفعالية حين خلق توازنا جيدا بين الإجراءات العقابية المتشعبة ضد روسيا ورئيسها من عقوبات اقتصادية ومالية وتقنية غير مسبوقة في تاريخ العقوبات الدولية، إضافة إلى التسليح المدروس والفعال لأوكرانيا من الولايات المتحدة ودول حلف الناتو، وبين تفادي أي اجراء متهور يمكن أن يؤدي الى الانزلاق الى مواجهة عسكرية خطيرة للغاية بين الناتو وروسيا، أو تفادي أي خطوة يمكن ان يسيء الرئيس بوتين تفسيرها على انها تهديد مباشر له او لروسيا. أداء بايدن تطلب انضباطا وصبرا ملحوظين، خاصة وانه كان ينسق بين مجموعة من الدول الصديقة والحليفة التي لبعضها مصالح اقتصادية مع روسيا لا تستطيع تجميدها او قطعها، وخاصة تلك الدول التي تعتمد على امدادات الغاز والنفط من روسيا.  

وفي هذا السياق رفض بايدن اتخاذ تلك الاجراءات العسكرية التي يمكن ان تؤدي الى تصعيد خطير مثل المشاركة في تطبيق اقتراح بولندي يقضي بنقل طائرات مقاتلة من طراز ميغ-29 حصلت عليها بولندا من الاتحاد السوفياتي إلى قاعدة المانية تابعة لحلف الناتو، لكي تقوم بعدها الولايات المتحدة بنقلها الى أوكرانيا. بايدن رفض هذا الاقتراح حتى بعد ان كرره الرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي مرارا. كما رفض بايدن وبسرعة اقتراح زيلينسكي " اغلاق الفضاء" الاوكراني امام الطائرات العسكرية الروسية، أي بمعنى آخر فرض حظر جوي فوق أوكرانيا، يتطلب من جملة ما يتطلبه تدمير الدفاعات الجوية الروسية القريبة من الحدود الاوكرانية، ورأى ان مثل هذه الخطوة يمكن ان تؤدي الى اشتباك عسكري مباشر مع روسيا. وبقي بايدن على موقفه من هذه المقترحات حتى بعد ان أثنى عليها بعض الخبراء والمشرعين الاميركيين. 

ومن هذا المنطلق تبدو عبارة بايدن الارتجالية نافرة وتتناقض مع الانضباط وضبط النفس الذي ميّز سلوكه وقراراته منذ بداية الازمة، وان كان هناك تحوّل في لهجته الحادة تجاه بوتين. منتقدو بايدن قالوا ان الرئيس الاميركي لا يستطيع ان يجازف بمعاملة بوتين وكأنه النسخة الروسية من الرئيس العراقي صدام حسين الذي سعت واشنطن بالفعل الى الاطاحة به بعد غزوها للعراق في 2003. 

المتعاطفون مع بايدن، قالوا انه – كعادته – يتحدث من القلب، وهو وصف بوتين بالجزار، وبعدها اشار الى انه يجب ان لا يبقى في السلطة، في نهاية نهار اجتمع فيه بضحايا الحرب من اللاجئين الاوكرانيين الذين اقتلعتهم الحرب، حيث استمع لمعاناة النساء والاطفال، حين حمل طفلة وقبلها وبدا عليه التأثر. هؤلاء يضيفون ان بايدن الذي وافق منذ اشهر على وصف بوتين ب "القاتل"، ثم استخدم نعوته القاسية الاخرى ضده  مثل البلطجي والدكتاتور ومجرم الحرب، لم يكن من المفاجئ ان يصل الى النتيجة الحتمية والقائلة بان مثل هذا الرجل، بعد الخراب الكبير الذي جلبه لأوكرانيا يجب ان لا يبقى في السلطة. 

للرئيس بايدن تاريخ سياسي طويل يشمل 35 سنة في مجلس الشيوخ، و8 سنوات كنائب للرئيس أوباما. وخلال هذه الفترة ترشح بايدن ثلاثة مرات للرئاسة، اخفق في المرتين الاوليتين لأكثر من سبب من بينها افتقاره للانضباط السياسي. وخلال هذا التاريخ السياسي الطويل كبى بايدن مرارا بلسانه حين كان يكشف علنا عن أشياء حساسة أو محرجة يفترض ان لا يكشف عنها أي سياسي محترف او محنك. ميل جوزف بايدن "للفركشة" بلسانه تحول إلى نكتة في الأوساط السياسية الى درجة دفعت به للقول  " أنا ماكينة لصنع الزلات اللفظية".  

ولكن بايدن يدرك ايضا ان كلام الرئيس الاميركي، هو أيضا رئيس الكلام، حتى ولو ادلى به الرئيس الاميركي بشكل اعتباطي، ولذل فانه قال خلال حملته الانتخابية الاخيرة " كلمات الرئيس هامة. فهي قادرة على تحريك الاسواق (المالية) وقادرة على ارسال رجالنا ونساؤنا الشجعان الى الحرب. وقادرة ايضا على تحقيق السلام". وكلمات الرئيس بايدن التسعة في بولندا – مقصودة أو ارتجالية – ترددت اصداؤها في جميع انحاء العالم، وان تركزت الانظار على كيفية قراءتها من قبل الرئيس المقصود بها : فلاديمير بوتين.  

الرئيس بوتين، المعزول عن العالم وخاصة خلال السنتين الماضيتين بسبب جائحة كورونا، لا يثق بنوايا واشنطن وغيرها من العواصم الاوروبية، وسوف يرى في كلام بايدن تعبيرا صادقا عن ما يكنه بايدن في اعماقه تجاه الرئيس بوتين. صحيح انه لا توجد استراتيجية اميركية لتغيير النظام في روسيا، لان تطبيق مثل هذه الاستراتيجية شبه مستحيل. وحتى تلك الانظمة التي تعتبرها واشنطن مارقة مثل الانظمة الحاكمة في ايران وفنزويلا وسوريا وكوريا الشمالية والتي فرضت عليها الحكومات الاميركية المتعاقبة عقوبات قاسية للغاية، لا تزال باقية، وواشنطن لم تعتمد أي استراتيجية عملية للإطاحة بها لإدراكها لصعوبة تحقيق مثل هذه الامنية، وان كانت هذه الامنية موجودة في اذهان أكثر من مسرول أميركي. 

الرئيس بوتين الذي تبين تصرفاته وخطبه الاخيرة عمق  شعوره بالبارا نويا و ايمانه بنظريات المؤامرة ضد وضد روسيا والذي يتصرف وكأنه ضحية لحملة دعائية غربية لتشويه سمعته، سوف يرى في كلمات بايدن المعدودة تأكيدا جديدا لمخاوفه وشكوكه.  

عدم وجود استراتيجية اميركية لتغيير النظام في موسكو، لن تغير من حقيقة صعوبة او حتى استحالة التعامل مع موسكو بعد توقف الحرب، او بعد أي انسحاب روسي مستقبلي من أوكرانيا، طالما بقي بوتين الذي وصفه بايدن بالبلطجي والجزار وتمنى الاطاحة به، موجود في السلطة في الكرملين. 

المسؤول الاميركي السابق ريتشارد هاس ورئيس مجلس العلاقات الخارجية الحالي، انتقد كلمات بايدن واشار الى انه يجب ان تكون هناك أولويتين الان: "انهاء الحرب وفقا لنتائج تقبلها أوكرانيا، وتفادي أي تصعيد من قبل بوتين. وهذه العبارة (لبايدن) تتنافى مع هذين الهدفين". 

كلمات بايدن التسعة، تبدو نافرة في سياق مخاوف بعض المحللين الاستراتيجيين في واشنطن الذين يقولون ان بوتين لن يقبل بهزيمة روسيا في حربها ضد أوكرانيا، لان ذلك سيكون مهينا له ولروسيا بالمطلق. ولذلك فانه يمكن ان يجازف بتصعيد الحرب وربما استخدام اسلحة كيماوية بشكل محدود ومصمم لزج حلف الناتو في القتال وارغامه على الرد وبشكل محدود ضد أي استفزاز روسي، على ان يتبع مثل هذه المواجهة المحدودة الى تسوية سياسية تسمح لبوتين بالقول انه دخل في مواجهة مع حلف الناتو، وتوصل بعدها الى تسوية معه للتغطية على الاداء الكارثي لجيشه الغارق في الوحل الأوكراني.  

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.