سيد القمني.. آخر حوار قبل رحيله

ما زال سيد القمني، الكاتب المصري الذي غيّبه الموت قبل أسابيع قليلة، يشغل اهتمام الكثيرين من الذين يعادونه صراحة وجهاراً. وانشغالهم هذا جدير ببعض الملاحظات، والتي تتعدى فيما تكشفه الحالة الخاصة المتعلقة بالرجل وحياته ومماته، لتبلغ أدبيات بعض الأوساط الثقافية الإسلامية وأخلاقياتها.

سيد القمني صاحب مؤلفات عديدة تقدّم مراجعات نقدية في شؤون الدين والتاريخ الإسلاميين. حظي بالتقدير من جهات عدة، ولكنه أمضى حياته بمواجهات سجالية مع خصومه.

ما يلفت النظر ابتداء هو إصرار الطاعنين بسيد القمني، كما بالكاتبة الراحلة نوال السعداوي، والتي غابت قبله بفترة وجيزة، على التشهير بالأبعاد الشخصية لكل منهما، والاستفاضة بالشتائم بحقهما، وباستعمال الرسوم القبيحة لتمثيلهما، بالإضافة إلى النعوت التي تنسب كل منهما إلى الأباليس والشياطين وغيرهم من الأشرار الغيبيين. كل هذا، مع تنبيه غالباً ما يدرجه الطاعنون كمقدّمة لأقوالهم، بأنه من وراء هذا التشنيع قصد شريف، ألا وهو منع التطبيع مع الردة والكفر والإلحاد والعلمانية وغيرها من أوجه العداء للدين.

بل يظهر من كلام الكثير من هؤلاء الطاعنين أن تشديدهم على سيد القمني ونوال السعداوي يهدف أساساً إلى الاعتراض عمّا قد بدا من ترحّم بحقهما من بعض الناس. فحالهم أن الرحمة الإلهية ممتنعة قطعاً عنهما ومن جاراهما، بل هما من أعداء الدين ولا يجوز عليهما إلا اللعنة.

لا بأس. ليس المطلوب هنا أن يتوجه المتشددون بالدعاء لروح سيد القمني أو نوال السعداوي، أو أن يتوسلوا لهما المغفرة والرحمة. بل يمكن القطع بأنه لا القمني ولا السعداوي كان ليطيب لهما الأمر أساساً. وليس المطلوب أن يمتنع من هو على إيمان وقناعة، بأن يصمت عن يقينه بأن مصير كل منهما، جزاء على أفكارهما، هو نار الجحيم خالدين فيها تتفقأ جلودهم وتحرق فيما هم يغتاثون دون جدوى من فرط الألم، ثم تعود جلودهم هذه وتنبت مجدداً ليتكرر حرقها إلى أبد الآبدين. وليس المطلوب منه أن يتخلّف عن تحذير الآخرين بأن من يرتكب جريمة التفكير خارج القيود أشد إجراماً وأكثر استحقاقاً للعقاب من كل القتلة والجلادين والظالمين. لهم التمسك بأنه من وجهة نظرهم الإيمانية التشكيك بالرواية الدينية، كما أية إثارة للشبهات بحق الذات الإلهية، قمة الكفر والسبب الحاسم للقطيعة مع القريب والحبيب والبلاء في الدنيا والآخرة. فكيف لا يكون العداء مع من جاهر بكفره؟

له، أي لمن يعتبر هذه الآراء من ثوابت الدين أو أصوله أو آدابه، أن يعمد بقول ما شاء. ولكن عليه أيضاً، إن كان في موقع المسؤولية المعنوية أو المادية، سواء شاء أو لم يشأ، أن يتحمل تبعات أي جريمة شكّل كلامه تحفيزاً لها وتحريضاً عليها.

وهنا الحقيقة الصعبة التي على هذا المسلم المتشدّد أن يتلقفها. وهي أنه مهما حاول زعم خلاف الأمر، قناعته الصارمة لم تكن يوماً هي الغالبة. تأكيده غلبتها في زمن الرسول والصحابة هو تعبير عن قناعة دينية قد تثبت لديه إيمانياً ووفق المعايير المنهجية التي وضعها أسلافه، وهذه المعايير هي بدورها إيمانية تلزمه وسلفه ولا تلزم غيره. أما ما بعد زمن الرسول، فالقراءة التاريخية التفصيلية المتأنية شاهدة على أن جهد فرض القناعة المتشدّدة بالإكراه لم يبلغ قط مستوى النجاح والذي يجري افتراضه من خلال اعتبار التاريخ بالإجمال، أي عبر غضّ الطرف عن تفاصيل كل مرحلة.

ذلك أن اعتبار أية فترة من التاريخ الإسلامي على امتدادات زمانه ومكانه يبيّن بأن المواجهة كانت متواصلة بين قلة قليلة مرتبطة على الغالب بالسلطان، تسعى إلى معيارية فقهية وعقدية، وبين كثرة توافق في دينها بين إيمان أو معتقد هو صافٍ بالنسبة لها، ولكنه ملتبس من وجهة النظر الرسمية، وبين أوجه خارجة صراحة عن أي التزام ديني.

المعياريون أرادوا إسكات الغناء والموسيقى. ولا يخلو مجتمع منها. المعياريون أرادوا منع الألعاب على أنها لهو، والحياة الاجتماعية على أنها اختلاط محرّم. فما كان لهم إلا وهم النجاح. المعياريون أرادوا إقصار الفكر على الرضوخ وعدم طرح الأسئلة. وتوهموا إلى حين أن استيلاءهم على وسائل النشر ضمان لنجاح مفترض. لم يكن الأمر هكذا بالأمس، وهو بالتأكيد ليس كذلك اليوم. فالأسئلة تطرح، سواء كانت بسيطة مبسطة كأن لا يستقيم لديها تعظيم العظائم بالتهويل، أو مُحكمة مركّبة تسأل عن نشوء المعتقدات وسياقاتها.

سيد القمني حاول أن يطرح الأسئلة المحكمة. قد يرى البعض في مسعاه النجاح، وقد يقدّره البعض الآخر لجهوده وحسب معتبراً أنه جانب الصواب. ما لا شك فيه أن الرجل حاول الانعتاق، فجوبه بالقمع، وحين سعى إلى تقويم الشدّة في موقفه، اتهم بالنفاق.

ربما كان سيد القمني "منافقاً"، أي ربما أضمر إنكار الدين بمجمله وتحفّظ عن التصريح بكامل أفكاره. هذا ما تشير إليه مقابلات له نشرت بعد مماته. وهو، أي رصيده الفكري، يُساءل عن هذا. غير أن المسؤولية لهذا النفاق تقع أضعافاً مضاعفة على الأوساط الفكرية التي لا تتحمل الفكر الحر، فتلجأ إلى التضييق والإكراه (وصولاً إلى التطليق) عقاباً لمن تجرّأ عليه، أو حتى على بعضه. وذاك غالباً بتهمة ازدراء الأديان، فيما أديان العالم ومذاهبه كافة عرضة لدى هذه الأوساط للتحقير والتشويه والإساءات دون هوادة.

الفكر الحر ملاصق للطبيعة البشرية. يمكن لصاحب السلطة، دينية كانت أو دنيوية، محاولة اعتراض تهذيبه، ومنع توضّحه، وعرقلة تعبيره. إلا أن وسائل الرفض هذه لم تكن يوماً حاسمة. سيد القمني هو تعبير عن الحالة المستمرة المتواصلة الساعية إلى فك قيد التعبير، بحلّة هذا الزمن. هو كتب ونشر وتكلم وجادل. ولكنه ليس حالة شاذة أو فريدة أو طارئة. بل هو، بخروجه عن المعيارية، أكثر تماهياً مع "العوام" وأفكارهم، كلما سنحت لهم فرصة الاعتبار والتعبير. والدليل على ذلك فيض التحذير والتنبيه والإسكات والتكميم من أصحاب السلطان والتفقّه على مرّ العصور إزاء هؤلاء العوام.

رغم الحدة في طروحات القمني، لا غرابة في زعم أن كلامه منسجم، في شكله على الأقل، مع توجه عامة الناس. بل الغرابة أن يتوقع المتشددون أن الناس يشاطرونهم قناعاتهم، سواء تحقق ذلك بالإدراك، بالتسليم، بالإكراه، لا فرق. بل المتشدّدون يبتدئون بافتراض تعسفي لهذا الرضوخ الواهم، ثم يتصرّفون وكأن كل ما عليهم هو تحصين الدين، من خلال الطعن بمن على شاكلة سيد القمني في حياته وبعد مماته.

يمكن للمتشددين أن يستدعوا كل الأحاديث والأخبار، كل الترهيب وكل الترغيب، لطرد أي ميل للتفكير الحر، انطلاقاً من مقولة أن "الشك كفر"، غير أن نجاحهم يقتصر وحسب على تأجيل الواقع الذي لا مفر لهم منه، وهو أن الأسئلة سوف تطرح، وأن السبيل إلى مواجهتها ليس بمنعها وشتم من يطرحها بل بالتطرق إلى مضمونها بما يتوفّر من حجج منطقية.

ربما أنه مع اتساع الممنوعات، تمسي المجادلات العقدية والمناظرات الدينية من وسائل الترفيه القليلة المتاحة. ولكنه ليس ترفيهاً مجانياً، بل إضرار مفرط بالتماسك الاجتماعي تحت مسمّى الذود عن بيضة الدين.

سيد القمني طالب بتعديل المناهج الدراسية وبتنقيح الكتب المعتمدة في الأزهر. جدوى هذا التوجه وسلامته، والقدرة على تطبيق هذه المطالب واحتمالات نجاحها فيما يتعدى الآني، موضوع خلاف. ثم أن القمني ثابر على الاستفزاز، وعانى من التشنج في عباراته ومن التسطيح في آرائه. ربما أن الرجل لم يكن مثالاً للتسامح والأدب والدقة، غير أن ما تعرّض له فاق ما أقدم عليه بأشواط.

وحين يمعن خصومه بالتشهير به بعد مماته، بل كذلك التعدي على خصوصيته وأسرته، هم لا ينجحون بالانتقاص من شخصه، إذ الرجل يعرف بأفكاره وكتاباته، والحكم المنصف عليه هو من خلال اعتبارها وتقييمها. كل ما ينجحون به هو إظهار عجزهم عن التسليم برحيله، وكأن طروحاته، على حالها، تقلقهم.

ليت معالجة هذا القلق يكون بالحوار الهادئ البناء مع أفكار الرجل بعد رحيله، وإن لم يجرِ الأمر أيام حضوره، دون النعوت والصفات المهينة. حيث إنه في النهاية لا مفر من الإقرار بأن حرية الفكر والتعبير والدين، بما في ذلك ترك الدين، هي حقوق طبيعية لا تطمسها الشتائم والمناورات.

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.