العلاقات الخليجية اللبنانية مقطوعة منذ العام الماضي
الانتخابات البرلمانية تأتي وسط استمرار الأزمة المالية والاقتصادية في لبنان.

عزز قانون الانتخابات في لبنان من ظاهرة "قطعان المقترعين"، فالقانون والطبيعة الزبائنية للعلاقة مع السلطة والنظام خلفا ظواهر مفجعة إذا ما قيست بمعايير هذا الزمن. فالانتخاب في ضوئها صار فعلاً متخلفاً بدل أن يكون دافعاً إلى الأمام. فهل يمكن أن تتخيلوا أن مرشحاً يملك مصنعاً مع زوجته يعمل فيه نحو 3 آلاف عامل، تقاسم أصوات العمال مع شقيق زوجته المرشح في نفس الدائرة! 

توزعت الأصوات بين الرجلين بالتساوي، تماماً بالتطابق مع تقاسمهما أسهم المصنع، علماً أنهما ترشحا على لائحتين متنافستين! جرى ذلك في إحدى الدوائر ذات الغالبية المسيحية. أما في البقاع، والغالبية هناك للشيعة، فقد قسم حزب الله الأصوات على مرشحيه وفقاً للقرى! هذه القرية تصب أصواتها التفضيلية لهذا المرشح، وتلك القرية لمرشح آخر، فتتساوى الحواصل، وتتلاشى فكرة أن الانتخاب هو فرصة للاختيار والمفاضلة. 

لدى معظم أركان السلطة في لبنان تقنيات مشابهة، جعلوا عبرها الانتخابات مناسبة لإهانة المقترعين. فهم بالنسبة للماكينات الانتخابية أرقام يجري تبادلها باحترافية جرى تعزيزها بخبرات استتباع تتراوح بين الرشوة والتهديد، فيقرر مثلاً سعد الحريري الانسحاب من الانتخابات ومن السياسية، لكنه يقيم بازاراً لتوزيع الأصوات التي خلفها وراءه، فيوزعها على خصوم خصومه، فيهادن وليد جنبلاط في الشوف ويواجه سمير جعجع في الشمال، ويتآمر على فؤاد السنيورة في بيروت! والمقترعين في دوامة الحريري هذه ليسوا أكثر من قطعان قرر كرازها إنفاقها على وارثي خيبته وفشله!

للانتخابات في لبنان وجه قبيح بدأ يتضح مع اقتراب موعدها، لا بل أوجه قبيحة. في وقت من المفترض أن تشكل مناسبة لاختيارات مختلفة. إنها لحظة بالغة الخطورة، فإذا ما قرر اللبنانيون التجديد للطبقة السياسية، فهم بذلك يقرون بحق هذه الطبقة بأن تفعل ما دأبت على فعله منذ 30 عاماً! من حقها أن تسرق ودائع الناس في المصارف، ومن حقها أن ترهن البلد لميليشيات مسلحة، ومن حقها أن تمنع محاسبة المتسببين بتدمير ربع العاصمة على نحو ما فعلت في 4 أغسطس، ومن حقها أن تأتي بجبران باسيل رئيساً للجمهورية! ولكي تنتزع الطبقة السياسية هذا الحق عنوة من الناس، كان قانون الانتخابات هذا، وكانت التحالفات بين أركان السلطة عبر مثلث "حزب الله وحركة أمل والتيار العوني"، وكانت العلاقة الزبائنية مع الناخبين، وجرى تثبيت معادلة "قطعان المنتخبين".

وقضية الطبقة السياسية الحاكمة أشد انتظاماً من قضية خصومهم، وهذه الطبقة تملك من الطاقة والخبرة والإمكانات ما يمكن توظيفه في معركة التجديد للكارثة وللكابوس. لا حدود لتخففها من الأخلاق، ولا رادع يمكن أن يوقف شراهتها، فهي أشهرت فسادها على نحو لم يفعله غيرها منذ تعاظم هذه الظاهرة وتوغلها في الدول والإدارات والسياسات. وليد جنبلاط يعلن أنه هرب أمواله إلى الخارج، وجبران باسيل يقول أنه أعاد للمسيحيين حصتهم من الفساد والثنائي الشيعي يرشح على لوائحه اثنان من المتهمين بالتسبب بانفجار المرفأ! 

هذه هي برامجهم الانتخابية، وهذا ما يعدون به ناخبيهم، وهذا ما يشهرونه يومياً على نحو مكثف منذ باشروا حملاتهم الانتخابية. المقترع بالنسبة إليهم وعاء من الغرائز التي عليهم إيقاظها، والانتخاب فرصة لمواصلة الجريمة. والغريب أن إجماعاً منعقداً على أنهم سينجحون بما هم بصدده! وبهذا المعنى هل يمكن القول بأننا نستحق ما جرى لنا، على ما يكرر كثيرون منا؟

الانتخابات تجري وفق آلية قررها النظام، ووفق نموذجه في السلطة وفي التغول، وهي امتداد لسطوه على الثروات والودائع والأصول. وهي محطة أعطي فيها الحق بأن يبتلع ما تبقى. والقول بأن الناس انتخبوهم وعلينا التعامل معهم ينطوي على ظلم كبير! الناس في الجنوب لا يملكون حق الاختيار، وفي الجبل جعل القانون من الناس قطعاناً، وفي الشمال الجوع هو المقترع الأول. 

ليس هذا العرض دعوة للمقاطعة، وانما محاولة استباقية للإجابة على مقولة أن المنظومة تملك شرعية انتخابية. فهذه "الشرعية" التي ذكرنا بها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ذات يوم في أعقاب انفجار المرفأ، منتزعة بالسلاح وبالفساد، وبتغذية الغرائز، وبحروب أهلية، وبارتهان لدول ومحاور من كل حدب وصوب. 

ثمة أكثر من مليون مودع جرى سرقة مدخراتهم، وأكثر من مليون فقير جديد بفعل إفلاس الدولة، وأكثر من وربع مليون مهاجر جديد ومثلهم على وشك الهجرة. لنجمع هؤلاء، ولنفترض أن بيئة اقتراع مختلفة أتيحت لهم، فسنحصل على طبقة سياسية جديدة من دون شك، أو على نصف البرلمان في أسوأ تقدير! المعركة التي خاضتها السلطة هدفت إلى منع انعقاد هذه المعادلة، عبر السلاح وعبر قانون الانتخاب، وعبر التجويع المباشر.      
  

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.