فتوى من الأزهر بشأن قضية الطفل المتنازع عليه
فتوى من الأزهر بشأن قضية الطفل المتنازع عليه

وأخيرا صرحت مؤسسة الأزهر على لسان الشيخ أحمد الطيب  بجواز تولي المرأة الوظائف العليا والقضاء والإفتاء، والسفر دون محرم إن كان آمنا، واعتبار الطلاق التعسفي بغير سبب حرام وجريمة أخلاقية. وقد أكد فضيلة شيخ الأزهرالشيخ أحمد الطيب أنه لا وجود لبيت الطاعة في الإسلام، وأنه لا يحق للولي منع تزويج المرأة بكفء ترضاه دون سبب مقبول، وأن للمرأة أن تحدد لها نصيبا من ثروة زوجها إذا أسهمت في تنميتها.   

وقبل ذلك، دعا الشيخ الطيب إلى عدم ‏تقديس التراث الفقهي، أو مساواته بالشريعة، وذلك من خلال برنامجه التلفزيوني الرمضاني "الإمام الطيب" الذي يذاع على عدد من القنوات والمنصات الرقمية في شهر رمضان، وهي زاوية ثابتة يطل منها الشيخ الطيب للحديث عن الأمور الفقهية.  

كل هذا جميل ورائع ولكنه يثير أمرا هاما ألا وهو ومن يدفع ثمن وفاتورة جريمة "كتمان" هذه المفاهيم عبر مئات من السنين من عمر الأزهر وغيره من المؤسسات الدينية التي تبنت مبدأ إباحة ضرب الزوجة لتأديبها وتبنت فكرة "بيت الطاعة" وإذلال المرأة ودعمت ختان المرأة وحرمانها من المتعة الجنسية التي خلقها الله فيها، وأباحت قتل المرتد وتارك الصلاة وروجت لفكرة الرجم حتى الموت للزناة المحصنيين بالرغم من تناقض ذلك مع القرآن الكريم!  

وأقولها بصوت عال يملأ أرجاء المعمورة "من سيدفع ثمن وفاتورة تلك الجرائم" التي أثرت في كل أرجاء العالم الإسلامي؟  

فليخرج علينا رجال الدين ومشايخ الأزهر وغيرهم من الدعاة الذين قهروا المرأة وأذلوها لأكثر من ألف عام ليقدموا اعتذارهم الرسمي لها!  

ولا أدرى في تلك اللحظات إن كان الاعتذار يكفي أم لا، ولكني أعرف شيئا واحدا ألا وهو أنه لا توجد كلمات تكفي لرد كرامة امرأة ضربها زوجها باسم الدين أو أجبرها على الدخول ذليلة في "بيت الطاعة".   

 وعلى افتراض غير حقيقي في هذا  المضمار، وهو أن الاعتذار عن كل هذه الجرائم في حق المرأة قد يكفي البعض -فأنا ليس لدي أدنى شك أنه لا يكفي ولن يكفي لإعادة الحياة لإنسان تم قتله بحد الردة ولن يكفي لتخفيف آلام طفل رأى أمه ترجم (بضم التاء) بالحجارة حتى الموت طبقا للشريعة الإسلامية وبالقطع لن تكفي لإعادة الحياة لمن ماتت بسبب تعاليم فقه التراث رجما بالحجارة دون رحمة!  

والجريمة التي ارتكبها رجال الدين وفقهاء الشريعة عبر القرون هي أنهم كتموا ما أنزل الله من البينات. والكتمان غير الإخفاء، فهم لم يخفوها ولكن كتموا صوت آيات عديدة وأعلوا من صوت فقههم الضال.   

فالقرآن يرفض قتل المرتد ولايبيح إلا المعروف أو الإحسان في معاملة المرأة ويرفض بوضوح مبدأ رجم إنسان حتى الموت ولكن فقههم يبيح كل تلك الجرائم.

ولن ننسى كيف أن القرآن أباح للمرأة أن تطلق نفسها وهو ما أسماه الفقهاء بالـ"خلع" (بضم الخاء) ولكنهم كتموا عن الناس لمئات السنين هذا الحق القرآني الواضح في صريح الآيات (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ- سورة البقرة آية 229) وتركوا آلافا من الزوجات يتجرعن مرارة العيش مع إنسان لا تطيقه باقي عمرها.  

وللأسف فحتى في محاولتهم (أي محاولة بعض رجال الدين) إظهار أنهم يصلحون المفاهيم فهم لا يزالون يصرون على كتمان معاني القرآن. فها هو شيخ الأزهر يقول "أنه لا يحق للولي منع تزويج المرأة بكفء ترضاه دون سبب مقبول"، في حين أن القرآن لم يعط أحدا الحق أن يمنع إمرأة من الزواج ممن تريد سواء كان لديه سبب مقبول أم لا. فالقرآن يقول في هذا الأمر وبدون أي إستثنائات له "فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ (أي تمنعوهن) أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوْاْ بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ ".      

وأتذكر وأنا أكتب هذه الكلمات قول الله عز وجل:  إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ  اللَّاعِنُونَ (سورة البقرة آية 159-160)!  

فهل سيسامح الله هؤلاء الشيوخ عما فعلوه؟  لا أدري ... ولكن القرآن يكمل هذه الآية بقوله:  

إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (سورة البقرة).  

  

 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.