Negev Summit in Sde Boker
اجتماع النقب كان بحضور وزراء خارجية دول عربية والولايات المتحدة وإسرائيل.

كان اجتماع النقب في جنوب إسرائيل مثار جدل في الإعلام العربي، وكان الغاضبون من جماعة "المقاومة" على أشد ما يكون الانتقاد لما رأوا فيه تطبيعا مع إسرائيل.

شخصيا، لم أقرأ في اجتماع النقب مخرجات آنية مهمة إلا في مستويين، مستوى الإعلان عنها بعد ارتجالها كفكرة طرأت على خاطر وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لبيد، فكان الهدف منها برقية عاجلة إلى واشنطن للتذكير بالخطر الإيراني (فكان بلينكن أحد الحضور)، والمستوى الثاني ما انعقدت النية عليه من تحويل الاجتماع إلى منتدى سنوي له محاوره الستة: الأمن، الطاقة، السياحة، الصحة، التعليم والأمن الغذائي والمائي.

ذلك المستوى الثاني لافت للانتباه جدا، ورسائله أكثر عمقا من برقية "تذكير" لواشنطن، وتنفيذه يتطلب تعاونا إقليميا قد تتسع عضويته لتشمل كل من له مصلحة في المحاور الستة أو أي منها، وكل محور منها هو أزمة في الإقليم بحد ذاتها، وأهم محور حيوي ربما يشكل صيغة التراكيب الإقليمية الجديدة هو محور الطاقة، والتي أصبحت معادلتها الراهنة هي أساس توازن القوى في العالم.

منتدى "النقب"، حالة مثيرة من لملمة إقليمية لم تتبلور كتحالف حتى الآن، وهذا ما أكده وزير خارجية مصر في اجتماع النقب بأن لا تحالفات في ذلك الاجتماع! حسنا، من حق الوزير المصري أن يتمنى ذلك، لكن التحالفات لن يمنعها تصريح سياسي لو انعقدت الإرادة على المضي قدما وبتوسع، ومن يدري، فقد تكون تركيا جزءا من المنتدى في النقب، 4 محاور من الـ6 هي من أولويات السياسة التركية ومتطلبات أنقرة في الحضور الإقليمي.

الأردن، الذي لم يحضر اجتماع النقب بدون أي احتجاج عليه، كان حاضرا في ذات التوقيت وعلى مستوى رأس الدولة نفسه في رام الله حيث السلطة الآيلة للسقوط برئيسها المترنح، يتلقون جرعة إنعاش إضافية من زيارة الملك ووفده الرسمي، ربما لإدامة فكرة حل الدولتين والتي أصبحت طرحا "مطاطيا" إلى أبعد حد "غير ممكن".

أوروبا قلقة بسبب تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا وتداعياتها الجيوسياسية، وهم بدأوا بالفعل دفع الأثمان الباهظة في مجال الطاقة، والأمن. (هذان محوران من محاور مشروع "النقب" الإقليمي القادم..أليس كذلك؟)! 

وكنا قد قلنا في أكثر من مقال ومداخلة إن الشرق الأوسط قد تفكك فعلا، وفي مكانه بمعطيات جدا جديدة يتشكل اليوم شرق المتوسط، نصف الحوض البحري الذي فيه كميات هائلة من الغاز، والخليج الذي تتقاسم معظم موارد الغاز فيه قطر مع إيران.

روسيا، التي تحاربها أوروبا "إعلاميا" وواشنطن تقود الفيالق في تلك الحرب، ليست شريكا استراتيجيا - حتى اللحظة- مع دول الخليج، لكنها ترتبط بـ4 مصالح رئيسة مع الخليج وإسرائيل ومصر: التعاون في سياسة الطاقة، التكنولوجيا العسكرية، الاستثمار "المالي"، والتنسيق الجيوسياسي خصوصا بعد حضور روسيا في جغرافيا شرق المتوسط عبر الساحل السوري، الجائزة الكبرى لموسكو لإنقاذ الأسد من السقوط المبكر قبل سنوات، الخليج يدرك - بحكم الخبرة- أن سياسات موسكو انتهازية دوما، وواشنطن - بالنسبة لدول الخليج- تبقى أقل انتهازية بحكم التجربة الطويلة.

هذا كله غيض من فيض قراءات اجتماع النقب وما حوله، ومعطيات ستنتجها تلك المحادثات التي صيغت بارتجال إسرائيلي مستعجل.

في الطرف الآخر، كنت أقرأ كم الشتائم والانتقادات "القومجية" للاجتماع، وقد علمتني غرف التحرير الصحفي في المهنة أن أنتبه جيدا للأخبار الصغيرة، تلك التي يتم حشوها في الصفحات الداخلية، ويتجنب المحرر المسؤول وضعها على الواجهات، وذات الأمر ينطبق على المواقع الإلكترونية التي تصبح فيها الحيلة أكثر مراوغة فتكتمل دوائر التضليل في توجيه المتلقي نحو الأقل أهمية لعله يترك الأهم.

أقرأ- فيما أقرأ-  مقالا مترجما عن "إسرائيل اليوم" لإسحق ليفانون وفيه أن المبعوث الأميركي عاموس هوشستين بدأ جولته المكوكية بين تل أبيب وبيروت لطرح مقترحات سريعة قابلة للتنفيذ الفوري تحقق تسويات على المنطقة البحرية الغنية بالغاز بين إسرائيل ولبنان!

عاموس الذي يدخل مطار بيروت كضيف رسمي فائق الأهمية، ضابط سابق في الجيش الإسرائيلي، وهو اليوم مبعوث وزارة الخارجية الأميركية في مجال الطاقة، والتي اكتسب خبرتها لسنوات عمل متقدمة في عملاق الطاقة "تيللوريان" والتي أسسها اللبناني شريف سوقي المولود في مصر!

لبنان، بكل طروحاته المقاومة، لا يملك ترف الوقت لتدمير إسرائيل كما يرغب تيار المقاومة المسيطر فيه وعليه، قبل أن يتبخر غاز المتوسط والذي هو الأكثر حاجة إليه ودولته على وشك الانهيار الكامل بسبب اقتصاده "الميت" فعليا، وعليه فإن زيارة عاموس "الأميركي الذي خدم في الجيش الإسرائيلي" إلى بيروت ولقاءاته مع مسؤولين لبنانيين من بينهم نبيه بري نفسه، قد تكون بداية تفاهمات ستخرج من منطقة الظل قريبا.

عاموس صرح أن هناك فرصة للوصول إلى اتفاق يجب استثماره قريبا جدا، مع إشارة إلى موافقة أميركية على الطلب اللبناني بعدم مشاركة إسرائيل في أي حقول غاز، وهو مطلب منطقي لكن غير واقعي على المدى البعيد، فالغاز في أعماق البحر والأرض لا يحمل مواقفا سياسية تجعله ثابت في مكانه، لكن حتى تلك الموافقة الأميركية على الطلب الجزئي مرهونة بموافقة لبنان على ترسيم حدوده مع إسرائيل، وهو ما سيحدث إن أراد لبنان استخراج ثرواته الطبيعية في بحره الإقليمي، ولو في مقترح عاموس نفسه بترسيم خط حدودي بحري متعرج يضمن للبنان سيطرته المنفردة على حقوله، وبين خلافات على خطوط طول ودائر عرض فإن دولة "حزب الله" لا تزال مصرة على "تبليط البحر"، وهو ما نادى به نائبها في البرلمان اللبناني!

التفاصيل في تلك المفاوضات والاجتماعات مذهلة ومشوقة أكثر من اجتماع النقب، والبحث عنها متوفر "ربما باللغة الإنجليزية أكثر" في المواقع الإخبارية المتخصصة.

سوريا، التي كان رئيسها الأسد مثيرا للمفاجأة والدهشة حين زار دولة الإمارات العربية المتحدة، بدأت تعيد حساباتها من جديد وبسرعة لا تتناسب مع "تأني" دمشق المعروف في كل خطواتها السياسية.

حسنا، في المنطق والواقع كما الوقائع المتسارعة بالنسبة لدمشق، فإن روسيا مشغولة بحرب "كونية" تستنزفها وتستنزف أوروبا، وإيران منشغلة وبصمت مع واشنطن "وتواطؤ أوروبي مع طهران" في اتفاق على وشك الإنجاز، اتفاق يعني إعادة تموضع للجميع ولا عزاء للمراهنين، الأذكياء فقط ينسحبون ويعيدون توزيع مواقعهم من جديد ضمن تحالفات "مصلحية" عميقة تتطلب شراكات طويلة الأمد، مما يتطلب بالضرورة تسويات أمنية وسياسية لوضع خرائط تعاون جديدة، في شرق متوسط بدأت ملامحه بالظهور.

التفاهم مع إسرائيل لم يكن بعيدا عن دمشق نفسها أيام الرئيس حافظ الأسد، وحسب محاضر المفاوضات وكثير من مذكرات من عايشوها "أهمهم دينيس روس في كتابه السلام المفقود" فإن الوصول إلى اتفاق سلام سوري - إسرائيلي توقف عند نقاط تفصيلية ليس من بينها "الحقوق الفلسطينية والعربية" التي طالما اختفت دمشق خلفها، لقد وافق حافظ الأسد - أيامها- على حديقة سلام كمنطقة سياحية مشتركة حول بحيرة طبريا ضمن نقاط تفصيلية كثيرة لولا تراجعه في اللحظة الأخيرة بسبب مخاوفه "التي لم يفهمها أحد حتى معاونوه".

اليوم، ربما يخسر السوريون أكثر من تفاصيل "حديقة سلام" في مفاوضات أكثر صرامة وسرعة، لكن الإقليم - كما العالم الجديد- لن ينتظر أحدا بعد الآن.

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.