أخطأ نجم هوليوود في تقديره
أخطأ نجم هوليوود في تقديره

ريتشارد ويليامز، الذي ألهمت سيرته النجم العالمي ويل سميث وقادته بجدارة إلى استحقاق جائزة أفضل ممثل عن فيلم "الملك ريتشارد  "King Richard في حفل جوائز الأوسكار في نسخته /94/ الأحد الفائت، قُدم درامياً على أنه رجل سلمي، لكنه يعاني من مظلومية كامنة كإنسان معنَّف طوال حياته، يبرر مظلوميته أمام بناته بحرقة لاذعة لأنه كان بلا أب يحميه، وهو الدافع القهري الذي سيقوده لمعاهدة بناته أن يحميهن من مظلومية مشابهة.

في قراءة محتملة لما دار داخل نفس ويل سميث الذي كان يعيش أقصى درجات التوتر النفسي قبل الاعلان عن الجائزة، وحين نهض لصفع مقدم حفل الأوسكار كريس روك بعد أن قدّر حزن زوجته جراء تنمر روك ضدها، يمكن تفسير سلوكه بالتماهي الشديد مع الشخصية الدرامية التي قدمها وعدم الفصل بينها وبين الواقع، مع اندفاعه العاطفي في هذه اللحظات بصفته "الأب-الزوج-الذكر" المعني بحماية "أنثاه الضعيفة" من عنف المجتمع.

وهو سلوك لاقى تأييداً عالمياً ملفتاً واعتباره رجولياً لمواجهة التظلم يتوجب احترامه واحترام فاعله. بل تقدير هذا السلوك بشكل خاص من قبل معظم النساء، والتهليل له كحدث رومانسي وفروسية مفتقدة ومشتهاة في هذا العصر، وكأن كل أفكار المساواة المنادى لأجلها ذهبت أدراج الرياح في لحظة أوسكارية مؤثرة، تؤشر إلى رسوخ الرؤية الاجتماعية التقليدية المتعلقة بالذكورة والأنوثة والاعجاب بشخصية "القبضاي" وعضلاته المفتولة.

لقد أخطأ نجم هوليوود في تقديره، وفي واقع الأمر هو من تلقى الصفعة معنويا مع تداعياتها اللاحقة وليس كريس روك، إذ كان بإمكانه الانسحاب مع زوجته من الحفل والاحتجاج على هذا التنمر بكافة الأشكال القانونية. وهو ما أدركه النجم لاحقاً وفسرته دموعه الغزيرة لحظة تلقيه الجائزة، ليس لتأثره بالفوز فقط، بل لمشاعر مختلطة ومرتبكة اجتاحته عكرت على لحظات فرحه، ونبهته لخطأه الجسيم وأهمية توجيه اعتذاره للجمهور ولـ " آل ويليامز" بشكل خاص.  

لايحسد ويل سميث للموقف الذي وجد نفسه فيه، كشخصية اعتبارية مؤثرة في العالم، ولسلوكه كبير الأثر والتأثير وخاصة عند الفئات العمرية الشابة. إذ ستبقى تداعيات هذه الحادثة طويلاً في الذاكرة، إضافة إلى ما قد ينجم عنها من اجراءات قانونية عقب مثوله أمام المجلس التأديبي الذي سيعقد لهذا الغرض في الثامن عشر القادم من شهر أبريل الجاري.  

الحظ الطيب الذي رافق هذا النجم وتوّجه على عرش أحد أهم فئات جوائز الأوسكار العالمية بعد طول مثابرة واجتهاد وصبر، سرعان ما انقلب ضده في لحظة غرائبية وكأنه كان تحت رحمة وصراع تقلبات قدرية تراجيدية، يدرك سميث معانيها جيداً بينه وبين نفسه، وعبر عنها بشفافية في رسالة الاعتذار بقوله:" أشعر بالخجل، وما قمت به لا يدل على الرجل الذي أريد أن أكونه".

أي أنه بات مثقلا بدينٍ نفسي، وعليه أن يدفع ثمناً باهظاً لسداد مستحقاته وتصويب فشله في أحد أقسى امتحانات النفس التي يسعى المرء جاهداً إلى تهذيبها خشية انزلاقها إلى العنف والعنف المضاد، أو العنف المدمِّر والمسمِّم كما عبر عنهما بنفسه. وهو حادث قد يبدو للبعض غير ذي أهمية ويتكرر عشرات المرات مع الناس على مدار الساعة.

لكنه في الحقيقة حادث غير عابر، يمكن أن يشكل أنموذجاً يحتذى للقياس عليه والتدريب للتخلص من جميع الشوائب العنفية العالقة التي يمكن أن تخرج من نفس الانسان في غفلة عنه وتخرجه عن طوره إثر تعرضه لتنمر أو استفزاز ما، قد تفقده جميع مكاسبه، بحيث يمكن أن يكون منتصراً ومحقاً في موقف ما، لينقلب الأمر ضده جراء رد فعله المتهور. 

عند هذه النقطة تحديداً، تقتضي العدالة إدانة الفعل ورده وإخضاعهما معاً لمعايير المحاسبة ذاتها. إذ أن الكلام الذي وجهه مقدم الحفل كريس روك لزوجة ويل سميث وتنمره عليها تحت ذريعة الدعابة، كان ثقيل الظل جداً، وغير مضحك ولا يدخل في إطار حرية التعبير بالمطلق. 

فإن اكتفى ويل سميث في مثل هذا الموقف المؤسف بتوجيه لكمة للرجل المتنمر، قد تنزلق الأمور إزاء مواقف تنمر أو سخرية أو استفزاز أخرى إلى مالا يحمد عقباه، مثل بعض التصريحات السياسية أو الاعلامية أو التعليقات أو البرامج المصورة أو رسومات الكاريكاتير، التي تسخر من بعض معتقدات الآخرين أو أشكالهم أو غيرها من أشكال التنمر، ويصنفها البعض على أنها حرية تعبير، لكنها قد تشعل حروباً بسببها، وتغضب شعوباً، وتحرق الأخضر واليابس. 

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.