A man walks with bags of food gave for the Ukranian army in Bucha, northwest of Kyiv, on April 2, 2022, where town's mayor said…
فقد الهجوم الروسي زخمه بعد اليوم الثالث للمعارك

ستكون الحرب في أوكرانيا وعليها، قد دخلت أسبوعها السادس عند نشر هذه المقالة، مُسقطة بذلك رهانات الكرملين على الحسم العسكري السريع والاستسلام الكامل للدولة الأوكرانية.. الحرب التي ما زالت بعيدة عن خط نهايتها، جاءت محمّلة بالمفاجآت من العيار من الثقيل، وأجبرت أفرقائها المباشرين وغير المباشرين، على مراجعة استراتيجياتهم أكثر من مرة، والأهم، الهبوط بسقف توقعاتهم تباعاً، والعملية ما زالت مفتوحة على مزيدٍ من التداعيات والمفاجآت.

لم تنجح روابط التاريخ والعرى الوثقى و"الحبال السُريّة" التي ربطت الأوكرانيين بالروس، في إطفاء حقيقة أن ثمة اعتزاز قومي أوكراني بهوية البلاد وسيادتها واستقلالها ووحدة ترابها، وأنه كان حافزاً قوياً لتسطير فصول "مقاومة شعبية ورسمية" أوكرانية، فاجأت حلفاءها وأذهلت خصومها.. الكرملين راهن على "الهشاشة القومية" كمقدمة موضوعية لفكرة الحسم السريع، والحلفاء أعادوا النظر في خططهم لإجلاء زيلينسكي وعائلته وصحبه، في بواكير الحرب وأيامها الأولى، قبل أن تنقلب إلى إشادة وتثمين، ودعم ينهمر على كييف كالمطر الغزير: مالاً وسلاحاً وعتاداً.

وسينتقل الكرملين من شعارات اقتلاع الزمرة القومية المتطرفة الحاكمة، والترويج لانقلاب عسكري "موالٍ" يمكن "التفاهم" مع جنرالاته، وتجريد أوكرانيا من سلاحها بعد أن ترفع كييف رايات الاستسلام البيضاء، إلى شعارات أكثر تواضعاً: ضمان حياد أوكرانيا وعدم انضمامها للناتو والتزامها بعدم السماح بنشر قواعد وقات للحلف الأطلسي، فضلاً عن التزام مماثل بعدم امتلاك أسلحة دمار شامل من نووية وكيميائية وبيولوجية.. وستنعكس هذه التبدلات على أهداف الحرب وعناوينها الكبرى، مثلما ستنعكس على ميادين المواجهة وجهات القتال، وستجري عمليات إعادة نشر القوات، وإعادة تعريف لمهمتها وحصرها في "حماية "دونباس".

فقد الهجوم الروسي زخمه بعد اليوم الثالث للمعارك، ومنذ ذلك الحين، صار عامل الوقت، يعمل في غير صالح القوات الروسية المهاجمة، وثبت أن الحرب لن تحسم بالضربة القاضية، وأنها لن تكون نزهة قصيرة، وأن كلفها الباهظة لن تتوقف عند أوكرانيا، سيما بعد فيض المساعدات العسكرية والمالية الغربية لكييف، مقابل طوفان العقوبات الجارف، وغير المسبوق في التاريخ، الذي تعرضت (وتتعرض) له روسيا.

أيقنت روسيا أن "الحسم العسكري السريع" لم يعد خياراً من دون أن تلجأ إلى "سيناريو غروزني" باهظ الثمن في الحالة الأوكرانية، والمقامرة بصدام مباشر مع الغرب وجيوشه، وهو سيناريو تخشاه روسيا مثلما يخشاه الغرب، وربما بالقدر ذاته، على الرغم من وضع "القوة الاستراتيجية الردعية" الروسية في حالة قصوى من التأهب والاستنفار.

لكن أوكرانيا في المقابل، وهي الطرف الذي دفع (ويدفع) أفدح الأثمان، كانت تعرف منذ البدء، أن "الصمود" في ظل اختلال ميزان القوى، هو انتصار بحد ذاته، وأن إطالة أمد الحرب، واستنزاف روسياً عسكرياً واقتصادياً، من شأنه أن يقلص من حجم الثمن (التنازلات) التي سيتعين عليها تقديمه على مائدة المفاوضات أمام ممثلي الكرملين، وتلكم كانت استراتيجية كييف، المنسقة والمدعومة من مختلف العواصم الغربية.

زيلينسكي بدوره، قرر النزول عن الشجرة، وهو بات يدرك تمام الإدراك أن لـ"استقلال" بلاده و"سيادتها"، حدوداً وضوابط، يصعب تخيطها أو العبث بها، وأن للدعم الغربي سقوفاً لن يستطيع اجتيازها.. كفّ عن المطالبة بعضوية الناتو المثيرة لروسيا، واستمسك بعضوية الاتحاد الأوروبي، المقبولة منها.. استعد للقبول بحياد أوكرانيا، بكل مندرجاته، لإطفاء قلق موسكو ومخاوفها.

خمسة أسابيع من المعارك الضارية، ميدانياً فوق أرض أوكرانيا، واقتصادياً و"طاقياً" ومالياً، على امتداد الساحة الدولية، كانت كافية لدفع طرفي المواجهة المباشرة، لتقليص سقوف تطلعاتهما، والجنوح إلى "الواقعية" بعض الشيء، وإدراك أن أماني الحسم السريع، والخروج بمعادلة "منتصر ومهزوم"، لم تكن في واقع الحال، سوى أضغاث أحلام، ودخان تصعب مطاردة خيوطه.

أنعشت تلك التطورات الآمال والرهانات على الدبلوماسية والخيار التفاوضي، وارتفع منسوب التفاؤل بإمكانية ولوج عتبات حلٍ سياسي للأزمة واحتواء تداعيتها...لكن إذا كان الحسم العسكري لهذه الحرب، متعذراً إن لم نقل مستحيلاً، فإن "السلام" يبدو خياراً صعباً كذلك، في ظل اتساع الخلافات وانعدام الثقة، وشلالات الدماء التي باتت تباعد طرفي الأزمة المباشرين، ناهيك عن حروب الاتهامات وحملات الشيطنة التي اتخذت طابعاً "شخصياً" إضافياً، أكثر من أي أزمة مضت. 

فمن جهة أولى، يصعب على الكرملين، بعد كل ما تكبدته روسيا من خسائر بشرية ومادية، أن يكتفي بحياد أوكرانيا.. ستظل قضيتا "القرم" و "دونباس" حاضرتان بقوة في حسابات بوتين وخلفية قرار الحرب على أوكرانيا.. ومن جهة ثانية، سيصعب على زيلينسكي أن يتجرع كأس التنازل عمّا يعتقده جزءاً أصيلاً من أراضي أوكرانيا للسيادة الروسية.. "القرم" و "دونباس"، ستجعلان السلام بين البلدين صعباً للغاية، وستحتاجان إلى قدر كبير من حنكة الوسطاء وإبداع الدبلوماسية، مثلما ستحتاجان إلى ترتيبات ومعالجات قد يطول زمنها.

قبلت أوكرانيا مبدئياً، بألا تشمل الضمانات الدولية التي تطالب بها "القرم" و "دونباس"، لكن ذلك لا يعني ببساطة أنها قررت التخلي عن هاتين المنطقتين، كما رأى بعض المراقبين.. فهل يمكن التفكير بتجزئة الملفين وتناول كل واحدٍ منهما على حدة، باعتبار أن قضية "القرم" باتت جزءاً من الماضي، فيما البحث سينصب أساساً على "دونباس"؟.. وهل يمكن الوصول إلى "نقطة وسط" بين موسكو وكييف حول مستقبل هذا الإقليم، كأن يُصار إلى اقتراح "ترتيب فيدرالي" يحفظ لجمهوريتي الإقليم حقوقاً وطنية وثقافية و"لا مركزية عميقة" لشؤونهما، في ظل الوحدة الترابية للبلاد؟.. وهل يمكن لنظام الضمانات الدولية الذي تطالب به كييف، أن يحفظ لأوكرانيا سيادتها واستقلالها وأمنها من جهة، وأن يحفظ للإقليم، أمنه واستقلاليته الذاتية، في ظل فيدرالية صلبة، مصونة من الانتكاس؟...سؤال برسم جهود الوساطات والوسطاء.

ثم، وبفرض أن قضايا الخلاف الثنائية، بين أوكرانيا وروسيا جرى التوصل إلى حلول توافقية بشأنها، فما الذي يمكن عمله لوقف حروب "العقوبات" و"العملات" و"الطاقة" و"الاقتصادات" التي تنخرط فيها روسيا والغرب، وتشتمل ميادينها الصين والهند واليابان وعدد غير منته، من الدول في العالم؟... هل يمكن إدراج "العقوبات" على جدول أعمال المفاوضات الأوكرانية – الروسية، هل يمكن التفكير بإطار تفاوضي "متعدد الأطراف"، هل تقبل روسيا بإغلاق ملف أوكرانيا مُبقية ملف العقوبات التي تحاصرها، مفتوحاً على أوخم العواقب وأبعدها مدى؟...هل سيقبل الغرب، الولايات المتحدة أساساً، بالسير في مسار موازٍ ومواكبٍ للمفاوضات الثنائية، أم أن العقوبات أُخِذت لتبقى؟ 

هل سيحافظ الغرب والناتو على وحدتيهما، في حال وضعت الحرب أوزارها وتوصلت موسكو وكييف إلى اتفاق سلام، أم أن أوروبا ستجد نفسها أكثر اندفاعاً من حليفتها على الضفة الثانية للأطلسي، لرفع هذه العقوبات و"تطبيع" العلاقات مع موسكو، سيما وأن أوروبا، أكثر من غيرها، تدفع أثمان هذه العقوبات، والهجرات، وربما موجات التطرف القومي – المسلح، التي قد تجتاح أوروبا بعد صمت المدافع، وعودة "المتطوعين" إلى بلدانهم ومجتمعاتهم؟ 

بعد دخول الحرب في أوكرانيا وعليها، أسبوعها السادس، يبدو الحسم متعذراً في الميدان، والسلام صعب للغاية على مائدة المفاوضات، وسيبقى السباق من الدبلوماسية والتصعيد هو سيد الموقف، إلى أن تنضج الأطراف للقاء بعضها البعض في "نقطة ما" في منتصف الطريق. 

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.