الذهاب نحو حكومة الأغلبية لا يعني عصا سحرية لحلّ كل تلك الأزمات
الذهاب نحو حكومة الأغلبية لا يعني عصا سحرية لحلّ كل تلك الأزمات

ينافس سياسيونا لاعبي كرة القدم في دَوري المحترفين، لكنّهم يختلفون عنهم كثيراً، فالمتلاعبون بالساحرة المستديرة يتنافسون في استعراض مهاراتهم داخل المستطيل الأخضر وبالنتيجة نستمتع بالمشاهدة والتشجيع. أما لاعبوا السياسة في بلداننا فهم غير محترفين في شيءٍ إلّا في مراكمة   الحكومة، والأخرى تذهب إلى المعارضة داخل قبّة البرلمان. إلا أن الأحزاب والقوى السياسية المهيمنة والمتنفذة ثبتت عُرفاً سياسياً يرتكز على مقولة نعم لِلحُكم، وكلا وألف كلا لِلمعارضة، فالمعارضة تعني في عرفهم الانتحار السياسي! 

قبل انتخابات تشرين 2021 كان الخطاب السياسي لِكثيرٍ من السياسيين يركّز على انتقاد النظام السياسي القائم على أساس التوافقات والصفقات. ولكن، بعد نتائج الانتخابات وكثرة الاعتراضات عليها، أدركت بعض أحزاب السلطة التقليدية، التي خسرت مقاعدها مقارنة بالانتخابات السابقة، بأن معركتهم القادمة ستكون مع شركائهم السابقين في العملية السياسية، الذين يسعون إلى الاستئثار بالسلطة وإبعادهم عن مراكز النفوذ في الحكومة القادمة. لذلك فإنَّ الزعمات التي انتقدت التوافقيةَ في السابق، باتت اليوم أكثر إصراراً ودفاعاً عن بقائها، فهي الضامن الوحيد لمشاركتهم في السلطة.

لحدّ الآن، الثلث المعطّل هو حجر عثرة أمام الذهاب نحو حكومة الأغلبية التي يريدها تحالف الصدريين مع السيادة والحزب الديمقراطي الكردستاني. وبعد أن نجح في تعطيل جلستين لانتخاب رئيس الجمهورية، أصبح اليوم الرهان الأقوى لِضمان بقاء التوافقية وتعطيل حكومة الأغلبية، حتى وإن كان الثمن التجاوز على التوقيتات الدستورية، فالتوافقية هي طوق النجاة من خسارة النفوذ بعد خسارة مقاعد البرلمان. 

وعلى خلاف مواقفه السابقة، يبدو أن مقتدى الصَّدر أكثر ثباتاً هذه المرّة بدعوته إلى تشكيل حكومة الأغلبية الوطنية، ورفضه العودة إلى التوافقية. وكلّما تمسّك أكثر بموقفه أحرج خصومَه وحلفائَه على حدّ سواء. فالخصوم لا يريدون تشكيل حكومة مِن دون الصدريين؛ لأنَّ ذهاب الصدريين نحو المعارضة يعني بأن حكومتهم تولد ميّتة. أمّا حلفائه في تحالف إنقاذ وطن، فالبرزاني يريد كسر إرادة خصومه والفوز بمنصب رئيس الجمهورية، وتأخير ذلك يعطّل الخطوات اللاحقة التي تريد توسّع تمركزه في كردستان وبغداد. وزعامات السيادة تريد تثبيت قوّة نفوذها من خلال الحصول على الوزارات في الحكومة القادمة. 

خطوات مقتدى الصدر باتت تنتقل مِن المواجهة المباشرة مع الخصوم إلى استراتيجية الانسحاب التكتيكي، ولعلَّ الأربعين يوماً التي حددها كفرصة لِلقوى المشاركة في الثلث المعطّل، بترك خيار التعطيل والاتفاق مع القوى السياسية في تحالف إنقاذ وطن لتشكيل حكومة مِن دون مشاركة الصدريين، ستكون تحديّاً واختباراً لِصلابة القوى المتحالفة في الثلث المعطّل في حال الانتقال مِن التعطيل إلى المشاركة في الحكومة.  

لا تريد قوى الإطار التنسيقي، ومَن يتحالف معها في الثلث المعطّل، أن تستوعب حالةَ الشيخوخة التي بلغتها التوافقية وعجزها عن احتواء التناقضات بين الفرقاء السياسيين، وإن حكومةً تتشكّل على أساس التوافقات تعني بقاء الدولة هَشّةً وتزايد الفجوة بين الجمهور والطبقة السياسية. ومن ثمَّ، خيارات البقاء ضمن دائرة السلطة من خلال التوافقية، قد تؤدّي إلى كسب جولةٍ جديدة للمحافظة على النفوذ والسلطة، لكنّه يعني مَوتاً بطيئاً لهذا النظام السياسي الذي فشل في أن يكون نظاماً فاعلاً وقادراً على حلّ أزماته السياسية وأزماته مع المجتمع. 

والذهاب نحو حكومة الأغلبية لا يعني عصا سحرية لحلّ كل تلك الأزمات والإشكاليات التي ترسّخت في العَملية السياسية طوال 19 عاماً، وإنما هو قرار جريء وشجاع باللجوء إلى الموتِ الرَّحيم لِنظام الحكم الذي أنتجته التوافقات الهشّة، والتي لم تنتج غير الفساد وهَدر الثروات وضياع ملامح الدولة وتسلّط الفاشلين على مقاليد الحكم.  

إذاً، كلاسيكو التوافقية والأغلبية لم يعد يحتمل التأجيل في مناورات الشَّد والجَذب، والمراهنة على كسر الإرادات بالتعطيل أو تفكك التحالفات، فشجاعة الذهاب نحو المعارضة أفضل مِن المشاركة في حكومةٍ توافقية تساهم بديمومةِ العجز السياسي حتّى وإن كانت حَلاً لِلانسداد السياسي. ويجب أن تسهم النتيجةُ بقرارات شجاعة تحتاج إلى الثبات بالمواقف أكثر مِن الخطابات الديماغوجية التي تتوسّل بشعارات "حقّ المكوّن"، أو تريد تسقيط خصومها من خلال نظريات المؤامرة. فالملعب السياسي يحتاج إلى مهارات احترافية لإقناع الجمهور مِن خلال الأداء السياسي والاقتصادي والخدَمي، وليس إيهام الناس بأنَّ الأولوية لِحفظ "حقوق المكون"، حتّى وإن أدّى ذلك إلى الخراب وإلى تسلّط الفاسدين والفاشلين على ثروات البلد ومقدّراته

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.