ليس من مشكلة ديمقراطية في تركيا بالمعنى الإجرائي
ليس من مشكلة ديمقراطية في تركيا بالمعنى الإجرائي

بعد شهور من المفاوضات الماراثونية وعرض مطولات من البرامج والخطابات، ما تزال المعارضة التركية في مرحلة "المقولات الخلبية". فالأحزاب الستة، التي شكلت منصة معارضة موحدة فيما بينهما، وحيث تدعي بأن جوهر تطلعاتها هو تخليص تركيا الرئيس إردوغان ونظام حكمه، لم تقدم أي شيء يُمكن اعتباره بمثابة التغيير النوعي عن سمات المرحلة الأردوغانية نفسها، وكل لعبة الحياة السياسية في تركيا، منذ قرن وحتى الآن.

غير إجماعها على مناهضتها لشخص الرئيس التركي، الذي تعتبره "منبع كل الشرور"، فأن هذه المعارضة تقدم فقط بعض المقولات العمومية الغائمة عما تخطط له لمستقبل البلاد: تأكيد على إعادة البلاد إلى نظام الحكم البرلماني، ووعود بسيادة القانون واستقلالية القضاء، إلى جانب بعض التصريحات عن تعزيز الديمقراطية وقيم حقوق الإنسان وتحسين الأوضاع الاقتصادية ومحاربة الفساد.

مجموع ما يُطرح هو نوع من البلاغة الكلامية فحسب، يكاد أن يكون خطاباً مشتركاً لكافة قوى المعارضة في مختلف دول العالم، بما في ذلك حزب إردوغان وهذه الأحزاب نفسها طوال عقدين كاملين مضيا، وتالياً تفتقد تلك المقولات مبدئياً لأية مصداقية أو مضامين ذات معنى، ولا تناسب ظرفاً كالذي تعيشه تركيا راهناً، حيث تدعي المعارضة نفسها بأن البلاد تسير نحو الهلاك، وإن القطيعة النوعية والجذرية مع كل ما تعيشه البلاد، وحدها قادرة على إنقاذ البلاد.

لكن الأهم، هو أن المعارضة التركية تحاول عبر مثل هذه البهرجة السياسية أن تتهرب من أربعة قضايا رئيسية، تشكل مجتمعة فضاء سياسياً معاكساً حقيقة للإردوغانية الراهنة، التي تبدو وكأنها في طريق مسدود.

أولاً، ليس من مشكلة ديمقراطية في تركيا بالمعنى الإجرائي، مثلما توحي أحزاب المعارضة. فحتى إردوغان، في ذروة شموليته، التزام بتنفيذ انتخابات نزيهة وخضع لسلطتها. المشكلة الديمقراطية في تركيا هي بالروح القيمية للديمقراطية نفسها، تلك التي يُمكن اختصارها بمعايير كوبنهاغن في المنظومة الأوربية. المتعلقة بالاستقلالية الواضحة للسلطات عن بعضها والمساواة الجندرية والتوازن المناطقي والمساواة القومية والحق في الحريات العامة وحرية الإعلام المطلقة والحريات الشخصية.. الخ.

لو كانت هذه الأحزاب الستة تملك مصداقية فيما تعد به، لوضعت برنامجاً تفصيلياً وواضحاً للالتزام بتلك المعايير الديمقراطية، وتعهدت بالالتزام بها تفصيلياً في حال وصولها إلى السلطة، وتغيير كل ما يناهضها في بنية المؤسسات والقوانين التركية.

من جهة أخرى، فأن المعارضة التركية لا تريد ولا تملك أية رؤية حول السلوك الخارجي للدولة التركية، بالذات في حيزه العسكري التدخلي، الذي يمتد عبر قوس ممتد من أفغانستان إلى ليبيا، مروراً بالقوقاز والبلقان والعراق وسوريا.

فما يجمع هذه المعارضة التركية جذرياً بإردوغان وحزبه هو التطلع الإمبراطوري للكيان التركي الحديث، في الإحساس الضمني والدائم بأن تركيا هي كيان أكبر من مجرد دولة ذات سيادة على حدودها الجغرافية فحسب، وأن أدوات التدخل العسكري القسرية وحدها القادرة على حماية الأمن القومي التركي. هذا غير الوله والموالاة الضمنية للجيش والروح العسكرية، التي يتقاسمونها بالتساوي فيما بينهم، ويتسابقون للتعبير عنها.

المسألة الكردي هي ثالث المواضيع التي لا تريد هذه المعارضة أن تقاربها على حقيقتها.

فكما الإردوغانية نفسها، تعرض المعارضة مزيجاً من خطابات الأخوة ووعد تحسين الأحوال الاقتصادية ومحاولة إطلاق سراح السجناء السياسيين الأكراد.. الخ، وفقط كذلك. دون أن تنبس ببنت شفة حول أساس هذه المسألة، المتعلق بالاعتراف الدستوري بوجود شعب كردي في تركيا، يملك حقاً أولياً وطبيعياً، وتالياً مطلقاً، بالمساواة مع نظيره التركي، في الدستور والقوانين والمؤسسات والجغرافيا والرموز واللغة والمتن العام وخيرات البلاد.

لا يمكن تقزيم المسألة الكردية إلى مجرد حق في الكلام أو مراعاة لبعض تفاصيل التنوع الثقافي. فالمسألة الكردية وقمعها هي المعنى الضمني للدولة التركية، من حيث كونها دولة لأبناء الأثنية التركية المسلمين الأحناف، لا دولة لكل مواطنيها، أياً كانت أعراقهم وأديانهم ومذاهبه.

لا تقارب المعارضة التركية تلك المساحة، لنزعتها الدائمة نحو حجز مكانة سيادية ومتمايزة ومسيطرة لأبناء هذه الجماعة الأهلية، التي تنتمي إليها نُخب قوى المعارضة، كما إردوغان، على غيرهم من مكونات المجتمع التركي.

لأجل ذلك بالضبط، فأن المعارضة التركية لا تستطيع ضمان خفوت الصراعات الأهلية، لأنها بجوهرها تنبع من ذلك التمايز المُحتكر على جماعة أهلية واحدة في البلاد فحسب.

المسألة الرابعة تتعلق بذلك التداخل الرهيب بين ثلاثية نُخب رجال السياسة والمال والدين في تركيا.

فمثلما كانت هذه العلاقة التداخلية الزبائنية هي منبع كل أشكال الهلاك في السنوات العشرة الأخيرة من حكم إردوغان، فأن كل أحزاب المعارضة مستندة في تمويلها وشعبيتها إلى شبكات من التنظيمات الدينية والمؤسسات المالية. وهي لا تطرح أية وعود بتفكيك تلك العلاقات التداخلية، والتي تُعيد كل مرة خنق النظام الاقتصادي والسياسي في البلاد.

في المحصلة، ثمة السؤال الرئيسي: لماذا لا تستطيع قوى وأحزاب المعارضة التركية إلا أن تكون كذلك!!، ويستحال أن تكون مختلفة تماماً عن البنية الإردوغانية العميقة!!.

لأنها أولاً أحزاب من نفس البنية التنظيمية والسياسية للتحالف الحاكم ذاته، فحزبا أحمد داوود أوغلو وعلي باباجان "منشقان" عن البنية التنظيمية والروحية والسياسية لحزب العدالة والتنمية، ويكاد الصراع بينهم وبين الرئيس إردوغان أن يكون مجرد خلاف شخصي. الأمر نفسه ينطبق على "حزب السعادة"، الأب التاريخي لحزب العدالة والتنمية. فيما يُعتبر "الحزب الخيّر" جناحاً منشقاً عن حزب الحركة القومية المتطرف، شريك حزب العدالة والتنمية في التحالف الحاكم. أما حزب "الشعب الجمهوري"، فهو بذاته النواة الصلبة لكل ثوابت البنيان السياسي والروحي للكيان التركي الحديث، المعارض التاريخية لأية تحولات في جوهر هذا الكيان منذ تأسيسه.

السبب الآخر كامنٌ في شبكة الخواء الإيديولوجي في تركيا الراهنة. فالمجازر المتتالية التي شُيّدت عليها الدولة التركية، لم تكن مجرد فظاعات بحق قطاعات المجتمعات الأهلية في تركيا فحسب، بل أيضاً وأولاً محقاً للبينة التحتية لطيف الإيديولوجيات كلها، إذ لا ليبرالية اجتماعية وسياسية يمكن ملاحظتها في تركيا الراهنة، وليس من قوى وتنظيمات يسارية ذات رؤية اقتصادية واخلاقية، وقبلها جميعاً ثمة تفكك متلاحق للنقابات وقوى المجتمع المدني والأحزاب الكردية.

في وضع كهذا، لا يبقى إلى الغريزي الأولي، الذي هو في منطقتنا مزيج من الإسلام السياسي مع القومية البدائية، وحيث أن الصراع بين أردوغان ومعارضيه هو مجرد خلاف على تقاسم البرميل المؤلف ذلك المزيج المريع.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.