الغزو الروسي لأوكرانيا طرح أسئلة وتساؤلات وشكوك عديدة حول مستقبل أوكرانيا وروسيا، وأيضا طبيعة الاتحاد الأوروبي ككتلة سياسية-اقتصادية-ثقافية، وأدى إلى تفاقم التوتر بين الأنظمة الديمقراطية والأنظمة الأوتوقراطية أو المتسلطة، كما دفع إلى السطح تلك المجموعة من الدول المتفرجة في عالم الجنوب والتي تدعي الحياد المزيف لأنها عمليا تؤيد التحدي الذي يمثله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للغرب الذي يدعم أوكرانيا. الغزو أثار مرة اخرى الأسئلة القديمة-الجديدة حول مفهومي القومية والوطنية حيث تسببت القوميات الشوفينية والمتعصبة في ألمانيا وإيطاليا في النصف الأول من القرن العشرين في حرب عالمية كانت الأكثر دموية في تاريخ البشرية، بينما لعبت المشاعر القومية والوطنية معا دورا بارزا في حركات التحرر من الاستعمار في القرن الماضي.
الغزو الروسي الذي يعكس مفهوم بوتين الشوفيني والمتعصب للقومية الروسية السلافية، والذي يتمتع بدعم الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية، واجهه الأوكرانيون بمفهوم الوطنية المبني على إجماع مختلف مكونات المجتمع الاوكراني الإثنية والثقافية والدينية على حب الوطن الذي يحتضن هذه المكونات دون أن يستثمر في واحدة منها على حساب الآخرين، والاستعداد للدفاع عنه مهما غلا الثمن. بوتين الذي يلف نفسه دوما بردائه القومي السلافي، ويحمل دينه المسيحي الأرثودوكسي أحيانا على صدره العاري ممثلا بصليب كبير وهو يمتطي جواده في الريف الروسي ليؤكد رجولته، يواجه في أوكرانيا فلودومير زيلينسكي الممثل السابق والأوكراني الوطني الذي يذّكر بوتين بشكل شبه يومي أن وطنه أوكرانيا يضم "أكثر من مئة فئة مختلفة" كما فعل قبل يومين، في إشارة إلى التنوع الإثني والقومي والديني واللغوي في أوكرانيا، ودون أن يبالي بالإشارة إلى أنه ولد لعائلة يهودية قضت المحرقة النازية على بعضهم في الحرب العالمية الثانية، حيث يشكل اليهود اليوم أقل من واحد بالمئة من سكان أوكرانيا.
الذين يستخدمون مفهومي القومية والوطنية في العالم وكأنهما مترادفين أو متشابهين كثر. المفهومان مبنيان على تعلق الإنسان ببلده، ولكنهما بعد هذه النقطة يسيران في طريقين مختلفين، أحدهما إيجابي ومنفتح، والآخر سلبي ومنغلق. مفهوم الوطنية Patriotism هو أقدم من مفهوم القومية Nationalism، ويعود إلى منتصف القرن السابع عشر. وكلمة Patriot الإنجليزية مشتقة من الكلمة الفرنسية Patriote المشتقة بدورها من اللغة اللاتينية Patriota المشتقة بدورها من اللغة اليونانية Patriṓtēs وتعني حرفيا رفاقي المواطنين. بهذا المعنى تعني الوطنية حب الوطن والاعتزاز به والدفاع عنه ليس عسكريا فحسب بل دبلوماسيا وبمختلف الوسائل الشرعية الأخرى. وهذا يعني أن الوطني هو الإنسان الذي يدافع عن وطنه ويعتز به عندما يكون وطنه على حق. الوطني لا يقول "هذا هو وطني أحبه ان كان محقا أو مخطئا". هذا ما يقوله القومي.
مفهوم القومية يعود إلى القرن الثامن عشر، ولكنه بدأ يبتعد عن مفهوم الوطنية بمعنى أنه أصبح يعني أن القومية الإثنية بلغتها وثقافتها الخاصة في بلد ما هي أفضل من غيرها من القوميات أو الثقافات الأخرى. وارتبطت المفاهيم القومية في أوروبا الحديثة بحركات سياسية كانت تهدف إلى فرض ثقافتها أو ممارساتها الخاصة كسياسة رسمية للدولة، حتى ولو كان في الدولة ذاتها جماعة أو جماعات لا تنتمي إلى القومية السائدة أو ذات الأكثرية. مثل هذا المفهوم الضيق للقومية يجعله مفهوما شوفينيا يؤمن باستثنائية القومية السائدة وأفضليتها، ما يجعله عدائيا بالضرورة للفئات والأقليات الأخرى. وهذا ما نراه اليوم في القومية الهندوسية في الهند، وهي دولة متعددة الإثنيات والقوميات والأديان. وهذا ما تخلقه إشكالية وصف دول تقطنها فئات إثنية وقومية وثقافية مختلفة مثل العراق والجزائر وسوريا، بدول عربية؟ ما الذي يعنيه هذا الوصف للفئات الهامة غير العربية العديدة في هذه الدول؟ الحركات القومية في الشرق الأوسط مثل القومية العربية أو القومية السورية تأثرت بالحركات القومية الأوروبية التي سادت في القارة في ثلاثينات القرن الماضي، وهذا ما يفسر النزعات الشوفينية في هذه الحركات القومية الإقليمية.
ويمكن القول إن القومية التركية، والقومية العربية والقومية اليهودية (الحركة الصهيونية) في فلسطين التاريخية هي التي قضت على ظاهرة الكوزموبوليتانية المنفتحة والمبنية على التعددية الثقافية واللغوية والدينية التي كانت من بين الأسباب التي أدت إلى ازدهار مدن وعواصم مثل بغداد ودمشق وحلب وبيروت وحيفا والإسكندرية والقاهرة.
وهكذا تصبح الطروحات القومية مبنية على الإيمان بإن الوطن القومي أفضل من كل الدول والقوميات الأخرى، وهي مشاعر تؤدي إلى التعصب وعدم التسامح والابتعاد عن التفكير العقلاني، وهذا بدوره يؤدي إلى شعار "وطني هو الأفضل" أو "وطني دائما على حق".
القومي لا يقبل أي انتقاد لقوميته أو بلده، بينما يتقبل الوطني أي نقد ايجابي وبناء وعقلاني. القومي يركز على الوحدة والعوامل الثقافية والإثنية أو الدينية المشتركة، بينما يركز الوطني على القيم والمثل المشتركة كأساس للوحدة. ولعل أفضل وصف للفرق بين الوطنية والقومية هو الذي كتبه المحلل والكاتب الأميركي سيدني هاريس "الفرق بين الوطنية والقومية هو أن الوطني فخور ببلده بسبب ما يقوم به، بينما القومي فخور ببلده بغض النظر عما يقوم به". ولذلك لم يكن من المستغرب أن تتحول القوميات في ألمانيا وإيطاليا في ثلاثينات القرن الماضي إلى قوميات متعصبة وعنصرية قاتلة. القومية الألمانية المتطرفة أدت إلى النازية المبنية على تفوق العنصر الجرماني، ما أدى إلى حروب الإبادة التي شنتها ألمانيا النازية ضد اليهود وشعوب أوروبا الشرقية. وهذا ما فعلته الإمبريالية اليابانية العنصرية في الحرب العالمية الثانية كما يتبين من وحشية الاحتلال الياباني للصين وكوريا.
أجمل تجليات الوطنية الأوكرانية المنفتحة هي أن الأوكرانيين من أصل روسي، والذين يتحدثون اللغة الروسية ولهم وجود هام اجتماعيا واقتصاديا في مدن هامة مثل خاركيف في الشمال وأوديسا في الجنوب يعتبرون أنفسهم أوكرانيين وقطعا لا يريدون العيش في ظل احتلال روسي، وهم يلعبون دورا أساسيا في الدفاع عن وطنهم ضد العدوان الروسي. لغة الرئيس زيلينسكي الأصلية هي اللغة الروسية. وتبين الاستطلاعات أن حوالي 90 بالمئة من الأوكرانيين الذين يعيشون وسط وغرب البلاد يعتبرون أنفسهم أوكرانيين. كما أن هناك مشاعر وطنية أوكرانية قوية تصل إلى حوالي 70 بالمئة في شرق وجنوب أوكرانيا وهي المناطق التي تسكنها أكثرية تتحدث اللغة الروسية.
صور الفظائع والقبور الجماعية للمدنيين الأوكرانيين التي تم الكشف عنها في الأيام الماضية عقب انسحاب القوات الروسية الغازية من البلدات والضواحي المحيطة بالعاصمة كييف، هي تعبير دموي عن قومية منغلقة، لأن بوتين يواصل تضليله لشعبه وللعالم بأن الأوكرانيين الذين يقولون إن هويتهم هي روسية "يريدون الحفاظ على هذه الهوية وعلى لغتهم وثقافتهم" التي تتعرض للاضطهاد، حسب ادعائه.
قومية بوتين المتعصبة تفسر، قمعه الدموي للتمرد في الشيشان (بغالبيته المسلمة) ووحشيته في سوريا، واستخدامه البشع لمرتزقة تنظيم "فاغنر"، ومحاولاته تنظيم فرق مرتزقة من مقاتلين سوريين وشيشان لترهيب الأوكرانيين. ومن هذا المنطلق العنصري، يمكن فهم شعبية بوتين في أوساط اليمين الأميركي المتعصب الذي يؤمن بتفوق العنصر الأبيض. المؤرخ تيموثي سنايدر وصف بوتين بأنه "أيقونة" الحركات العنصرية التي تنادي بتفوق العنصر الأبيض في العالم.
وهذا يجلبنا إلى الولايات المتحدة وتضارب مفهومي الوطنية والقومية. صحيح أن هناك تيار سياسي عنصري ومنغلق وانعزالي في الولايات المتحدة قديم قدم الجمهورية الأميركية. ولكن الانغلاقية والتعصب في أميركا كانا دائما في مواجهة مجتمع متعدد بفئاته الاجتماعية والدينية والاثنية المتنوعة، ما جعل المناداة بتفوق فئة معينة أو عنصر معين، حتى العنصر الأبيض الأكثر عدديا أمرا إشكاليا للغاية وصعب التحقيق. الأميركي اليوم يمكن أن يكون أبيض أو أسمر أو أسود أو آسيوي أو شرق أوسطي. يمكن أن يكون مسيحيا أو يهوديا أو مسلما أو بوذيا أو منتميا إلى أي دين او ملحد، المواطن الأميركي هو كل هؤلاء، وذلك لا يوجد اليوم "وجه" أميركي محدد، أو أميركي يستطيع أن يتحدث عن "قومية" أميركية بالمعنى التقليدي للكلمة. وفي السنوات الماضية، وخاصة خلال ولاية الرئيس ترامب المعروف بمواقفه وطروحاته الشوفينية والمعادية للمسلمين والأفارقة وكل الاميركيين المتحدرين من أصول غير أوروبية، أصبح مفهوم "القومية" في أميركا يعني بالنسبة للكثير من الأميركيين "القومية البيضاء" العنصرية.
خلال الفترة التي سبقت حقبة ترامب، كنت أقول لأصدقائي في الشرق الأوسط إننا لا نتحدث عن القومية في الولايات المتحدة بل نحتفل بالوطنية الأميركية، وهذا ما يجعلني، وأنا المولود في لبنان ولغتي الأصلية كانت العربية، لأن أقول بعد أن حصلت على الجنسية الأميركية إنه يحق لي أن أكون وطنيا أميركيا، بمعنى حب هذا الوطن بعقل مفتوح وعقلاني، مثلي مثل أي مواطن آخر من أصل أوروبي او غير أوروبي ولد في الولايات المتحدة، لأننا نشارك جميعا في حب الوطن ذاته، الذي نفترض ونتوقع أن تعاملنا مؤسساته بالتساوي كمواطنين.
ظاهرة ترامب، أبرزت إلى السطح التناقض بين مفهومي الوطنية والقومية في الولايات المتحدة، وهذا الجرح سوف يبقى مفتوحا لوقت طويل. الغزو الروسي لأوكرانيا، أظهر من جديد أن القومية الشوفينية الروسية لا تزال على قيد الحياة، ولا تزال قادرة على البطش والقتل الجماعي وحفر القبور الجماعية لضحاياها من المدنيين في ثاني أكبر دولة أوروبية في مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.

