الدستور هو القانون الأعلى في الدول الحديثة ويسمو على أي قانون آخر، لأنه يحدّد شكل الدولة ونظام الحكم وينشئ وينظّم عمل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وعلى هذه السلطات احترام الدستور لأنه السند الشرعي لوجودها ولأن كل منها يمارس عمله حسب نص فيه، وكل القوانين والقرارات تكون غير شرعية إذا خالفت أي مادة في الدستور، ونتيجة الأهمية الاستثنائية التي يمتلكها الدستور فإن لوضعه إجراءات معينة أشد من بقية القوانين، حيث تضعه جمعية تأسيسية منتخبة من الشعب.
وكذلك يتكون البرلمان في الدول الديمقراطية من ممثلي الشعب الذين تم انتخابهم مباشرة من قبل المواطنين، ولذلك يمتلك البرلمان سلطة إصدار التشريعات والقوانين ومراقبة عمل السلطة التنفيذية وتمثيل إرادة الشعب، ومن صلاحية البرلمان سحب الثقة من الحكومة في النظام البرلماني، بينما حتى في النظام الرئاسي مثل الموجود في الولايات المتحدة لا يستطيع الرئيس حلّ البرلمان ولا حتى إقالة عضو واحد في الكونغرس لأنه منتخب من الشعب.
أي أن للدستور والبرلمان في الدول الديمقراطية احتراماً وحصانة قريبتين من التقديس، بينما يبدو الوضع مختلفا تماما في الدول العربية، حيث يعامل الدستور بمنتهى الاستخفاف ولا يحظى البرلمان بالاحترام المطلوب.
فخلال الأسبوع الماضي قام الرئيس التونسي قيس سعيد بكل بساطة بحل البرلمان، مع أنه البرلمان الوحيد من بين برلمانات الدول العربية الذي تم انتخابه من الشعب ودون تدخّل من الأجهزة الأمنية، ومن المعروف أن هذه الأجهزة هي التي تختار جميع أعضاء البرلمان في أغلب هذه الدول بينما تختار أغلبهم في دولتين أو ثلاث، وبرّر الرئيس التونسي قراره بعبارة في الدستور تقول إن رئيس الدولة يسهر على احترام الدستور!.
ولم يكتفِ الرئيس بذلك بل رفض تحديد موعد لإجراء إنتخابات تشريعية من أجل برلمان جديد، وقال بوضوح إن الانتخابات البرلمانية لن تجري ضمن مهلة الثلاثة أشهر التي حددها الدستور، بل أبدى استغرابه من الحديث عن ضرورة إجراء الانتخابات، "إن من يريد تطبيق المادة 89 من الدستور واهم"، في طريقة توضّح إلى أي درجة وصل الاستهتار بالدستور وبالشعب الذي انتخب أعضاء البرلمان.
وعبّرت الولايات المتحدة والأمم المتحدة عن استيائها من هذا القرار، كما أصدر 40 من أساتذة القانون الدستوري في الجامعات التونسية بيانا انتقدوا فيه قرار حل البرلمان وتجميع السلطات بيد الرئيس، وحتى من صمت عن هذا القرار أو أيّده فقد أرفق ذلك بطلب إنهاء الإجراءات الاستثنائية والعودة بسرعة للمسار الديمقراطي.
وكان الرئيس نفسه قد ألغى في العام الماضي العمل بالدستور "لأنه لم يعد صالحاً ولا مشروعية له"!، مع أن انتخابه قد تمّ على أساس هذا الدستور، وبذلك تمّ إسدال الستارة على التجربة الديمقراطية الوحيدة بين دول الربيع العربي والتي كانت الآمال معّلقة عليها من قبل شعوب المنطقة لتقديم أول نموذج ناجح للتحوّل الديمقراطي.
أمًا في العراق فقد أسفرت انتخابات أكتوبر 2021 عن فوز التيار الصدري بأكبر عدد من المقاعد على حساب الأحزاب المرتبطة بإيران، وتمكّن هذا التيار من تشكيل تحالف مع السنّة وأغلبية الأكراد كان من المفروض أن تتيح له حسب الاعتبارات الديمقراطية تشكيل الحكومة المقبلة.
ولكن الخاسرين في الانتخابات تمكنوا من عرقلة عمل البرلمان عبر منعه من الانعقاد لانتخاب رئيس الجمهورية، لأن نصاب هذه الجلسة يتطلب وجود 66.6 في المئة من أعضاء البرلمان، بينما كانت نسبة الحضور المؤيد لتحالف الصدر أكثر قليلا من 61 في المئة.
أي أن الخاسرين المدعومين من إيران قد أفرغوا العملية الديمقراطية من محتواها عندما لم يسلّموا بخسارتهم في الانتخابات كما تفعل الأحزاب في الدول الديمقراطية، كما استهتروا برغبات أغلبية الشعب التي عبّر عنها في الانتخابات، وبرّروا موقفهم هذا بأنهم يخشون ترك السلطة لأن هذا قد يفتح الباب على محاسبتهم عما قاموا به خلال السنوات الماضية!، ولذلك لم ينجح العراق حتى الآن في تقديم نموذج حكم ديمقراطي حقيقي.
وهذا ما يحدث منذ عدة عقود في لبنان، حيث يتم إفشال العملية الديمقراطية عبر "الثلث المعطّل"، وهو الحدّ الأدنى للمقاعد التي يشترط حزب الله وحلفاؤه الحصول عليها في أي برلمان أو حكومة حتى يتمكّن من منع انعقاد الحكومة أو شلّ عمل البرلمان عندما يريد.
وكذلك من خلال عقد حزب الله تحالفات مع زعماء الطوائف وكبار رجال الأعمال مما أدّى إلى وجود طبقة سياسية احتكرت السلطة في لبنان منذ عقود، حتى تحوّلت العملية الانتخابية إلى استعراض صوري معروف النتائج سلفا يمنح غطاء ديمقراطيا لبقاء نفس الوجوه في البرلمان والحكومة، ولا تتورّع هذه الطبقة عن استخدام المال السياسي والشحن الطائفي للبقاء في السلطة حتى تزداد ثراء عاما بعد آخر عبر الفساد واستنزاف الموارد المتواضعة للدولة اللبنانية.
كما تقدم مصر مثالًا آخر في ازدراء الدستور عندما قامت بإجراء تعديلات دستورية لم يكن لها من هدف سوى بقاء الرئيس السيسي في السلطة لستة عشرة سنة متواصلة حتى عام 2030، وكانت هذه إحدى المؤشّرات على تحوّل مصر إلى نموذج من الحكم الفردي تراجع فيه دور البرلمان حتى عند مقارنته مع البرلمانات في أيام مبارك والسادات.
كما تم الترويج لمفاهيم جديدة منها تقديس الجيش رغم أنه لم يخض أي حرب مع عدو خارجي منذ نصف قرن، ربما لأن الرئيس أتى من هذه المؤسسة أو للدور الكبير الذي أصبح يقوم به في المجالات الاقتصادية والخدمية.
وكأن الربيع العربي قد انتهى في مصر إلى نظام أكثر سلطوية تراجعت فيه الحريات الفردية واستقلال القضاء واختفى الإعلام الحر، كما ظهرت أساليب مباشرة وفجّة من التمجيد بشخص الرئيس السيسي بشكل غريب عن عالم اليوم، وأصبح انتقاده هجوما على الدولة المصرية يعاقب مرتكبها بالسجن.
ولم يكن البرلمان في الجزائر سوى انعكاسا لتصحّر الحياة السياسية في هذا البلد وتعبيرا عن درجة تغوّل الأجهزة الأمنية، وتوجّه اليوم اتهامات للجزائر من الداخل والخارج وتحديدا من الرئيس ماكرون بأن المؤسسة العسكرية هي التي تتحكّم منذ سنوات طويلة بالسلطة عبر واجهة مدنية فيها برلمان وحكومة ورئيس جمهورية دون وجود دور سياسي حقيقي لأي منها، وعبّر الشعب الجزائرى عن رفضه لهذه المسرحيات الديمقراطية من خلال مقاطعة واسعة غير مسبوقة للإنتخابات الرئاسية والتشريعية، كما تم وضع دستور جديد لم يتضمن أي فروقات عن الدستور في أيام بوتفليقة، بحيث عاد الوضع في الجزائر إلى ما كان عليه قبل احتجاجات فبراير 2019 كذلك في استهتار بإرادة ورغبات الشعب.
لذلك يبدو وكأن مفردات من نوع "دستور" و"برلمان" لم تخلق من أجل الدول العربية، مع أن أغلب دول العالم تعتمد منذ سنوات الآليات والمؤسسات الديمقراطية كطريقة للحكم، فبالإضافة إلى دول الغرب هناك أغلب دول أميركا اللاتينية وإندونيسيا والفلبين والهند والكثير من دول جنوب آسيا وحتى في نيجيريا وجمهورية جنوب أفريقيا وعدة دول أفريقية، هناك دستور وبرلمان وأحزاب في السلطة وأخرى في المعارضة لديها نوابها وصحافتها، بحيث لم يبق في العالم منطقة متواصلة جغرافيا تغيب عن جميع دولها أبسط مظاهر الديمقراطية سوى المنطقة العربية.

