نائب الأمين العام لحزب الله خلال إحياء ذكرى قتلى الحزب.
نائب الأمين العام لحزب الله خلال إحياء ذكرى قتلى الحزب.

لمن يسأل عن دليل عن علاقة سلاح حزب الله في لبنان بالفساد، فخير جواب هذه الأيام هو تلك اللوائح الانتخابية التي تجمعه مع حركة أمل ومع التيار الوطني الحر. هو جواب قاطع لا يبذل الحزب جهوداً لنفيه واستبعاده، وهو أيضاً جواب يذهب بنا أيضاً إلى علاقة تتعدى الاستفادة المباشرة من الفساد، أي إلى أن هذا السلاح لا يشعر بالأمان من دون شبكة حماية من الفاسدين. 

ما يجمع حزب الله معهم ليس تحالفاً يتبادل أصحابه الأصوات ويتعاونون لإنجاح لوائحهم، فالحزب ضم حليفيه وتابعيه إلى لوائحه لكي يوصلهما إلى البرلمان. هو لا يحتاجهما انتخابياً، وهما بدورهما لن يجيرا له أصواتاً، بل هو من سيفعل، يحتاجهما في البرلمان وفي الحكومة وفي الإدارة، ويريدهما دون غيرهما في السلطة. ومن يريد نبيه بري وجبران باسيل حصنان لنفوذه، لا يفعل ذلك لأنه سيحرر بهما القدس، ولا ليقيم دولة الحق والعدالة، ولا لـ"يبني ويحمي"، على ما رفع من شعار لحملته الانتخابية! يريدهما ليواصلا المهمة التي انتدبهما النظام لأجلها، والتي أوصلت لبنان إلى ما هو فيه من كوارث، واللبنانيين إلى ما يعيشونه من كوابيس.

يمكن للمرء أن يستحضر ما لا يحصى من مؤشرات تحالف قوى النظام، وعلى رأسه حزب الله، ليقول إن وجهة السلطة هو السير قدماً نحو تحويل لبنان إلى بؤرة يستثمر فيها الحزب وظيفته كحارس للمشروع الإيراني، مع ما تتطلبه هذه المهمة من نزع لفكرة الدولة بصفتها راعية لمصالح الناس. فشريكا الحزب، أي حركة أمل والتيار العوني، مستعدان لتقديم كل شيء في مقابل الإبقاء على موقعهما في هياكل الدولة، وهذا بالضبط ما يغريا الحزب به. أما تخليص الفاسدين من غير الفاسدين في لوائح الحزب فهي مهمة عبثية يتولاها يساريو الممانعة تارة، وبيروقراطيوها تارة أخرى، وهي صارت مستحيلة في ضوء خطاب "حماية الحلفاء" الذي باشره قادة الحزب ومنبريوه، حين قالوا إن معركة إيصال الحلفاء هي المهمة الأولى للماكينة الانتخابية لحزب الله. 

حلفاء حزب الله ليسوا إلا فاسدي الجمهورية وفاشليها ومفشليها. إنهم جبران باسيل ونبيه بري، وسليمان فرنجية حيناً ووليد جنبلاط أحياناً، وإذا كان سعد الحريري قد توارى، فإن أطيافه حاضرة، والحزب مستعد لاستئناف خصومة معه معفرة بالحب والمغفرة، فيما العدو الوحيد الذي يلوح هو احتمال أن تصل أقلية من خارج هذه التحالفات وهذه الخصومات، والتي أنشأ الحزب في ظلها شروط السلاح من خارج مؤسسات الحكم. 

لم يبعد حزب الله بخياراته الانتخابية عن المنظومة خطوة واحدة. يريدهم جميعهم فرداً فرداً، وحزباً حزباً، وفاسداً فاسداً. وإذا كان لا بد من التضحية برياض سلامة، فلا بأس بترشيح رجله الأول في جمعية المصارف مروان خير الدين على اللوائح الانتخابية. ما جرى في السنوات الثلاث الفائتة من انهيار مالي واقتصادي، ومن تظاهرات واحتجاجات، وما كشفه انفجار المرفأ من فضائح، هذه كلها لم تدخل إلى حسابات الحزب الانتخابية، كلها "مؤامرات خارجية" طبخت في سفارات الدول الغربية. 

انعدام حساسية الحزب حيال وقائع السنوات الثلاث الفائتة تفوق نظيرتها لدى حلفائه. جبران باسيل حاول يائساً مخاطبة الحساسيات المستجدة بفعل الانهيار وبفعل الانفجار، وسمير جعجع يحاول توظيفها، وحده حزب الله من يجاهر بضرورة مواجهة كل من تخول له نفسه أن يتذمر مما آلت إليه جمهورية الحزب من خراب بدأ يلامس المجاعة.

وحزب الله محق بما هو فيه، ذاك أن الجمهورية الثالثة هي دولته من ألفها إلى يائها. أركانها هم حماة هيكل سلطته، ومصارفها هم من مول أركانها من مدخرات الناس، والحزب اذ يسعى لكي ينأى بنفسه عن موبقات السلطة والمصارف، يجد مسعاه مستحيلاً اذ ما لاحت مهمة حماية السلاح، فالسلاح لن يجد غير باسيل وبري ومروان خير الدين، ولن يجد خصوماً نموذجيين أفضل من وليد جنبلاط وسعد الحريري ونجيب ميقاتي.

يخوض حزب الله الانتخابات هذه المرة من دون مواربة. السلطة عارية من أي ادعاء غير الوظيفة التي انتدبت نفسها لها. حماية السلاح، وما تستتبعه هذه الحماية من شروط تتراوح بين الفساد والفشل، والقبول بالعزلة والانفصال عن العالم وعن همومه، والاكتفاء بساعة كهرباء في اليوم، وبحد من الطبابة والاستشفاء والتعليم يوازي ما توفره دول المحور لمواطنيها، شركاؤنا في البؤس والفقر والاستبداد.  
 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.