Russian President Vladimir Putin, left, presents flowers to German Chancellor Angela Merkel during their meeting in the Kremlin…
ميركل أصرت على إنشاء خط أنابيب الغاز "نورد ستريم 2" الذي يربط ألمانيا بروسيا.

في يوليو 2008، أجلس الرئيس الفرنسي، في حينه، نيكولا ساركوزي رئيس النظام السوري بشّار الأسد في منصّة الشرف الخاصة بالعرض المخصّص للاحتفال بذكرى الثورة الفرنسية، ليعود ويستضيفه في قصر الإليزيه، في ديسمبر 2010، من دون أن يعير آذاناً مُصغية للمعترضين في بلاده والعالم على احتضان هذا "الديكتاتور" وفتح أبواب العالم أمامه، بعدما أوصدتها، في وجهه، ارتكاباته الإرهابية، في أكثر من دولة وفي مقدمتها لبنان وسوريا والعراق.

ساركوزي نفسه، بعد ظهور الوجه الحقيقي للأسد على الملأ، جرّاء قمعه الوحشي للثورة الشعبية في بلاده، وكانت لا تزال في مراحلها السلمية، كان أوّل من نفض يده من الأسد، وهاجمه وطالب برحيله عن السلطة.

وما فعله ساركوزي مع الأسد سحب نفسه على الزعيم الليبي معمّر القذافي الذي، بعدما كان قد أقام خيمته "في حديقة قصر الإليزيه"، وجد أنّ "صديقه الفرنسي" قاد حملة الدعم الدولية لاقتلاعه، بالقوة، ليس من منصبه فحسب، بل من...الحياة أيضاً.

لا يمكن إغفال هذين الحدثين "التاريخيّين"، في هذه المرحلة حيث يتابع المعنيون السلوك الأوروبي عموماً، و"الأصدقاء" في ألمانيا وفرنسا خصوصاً، تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ذلك أنّ هذه الدول بعدما فرشت السجّاد الأحمر لـ"القيصر" وأخذته في الأحضان وربطت مصالحها بمواده الأوّلية، على الرغم من تكاثر الأدلة على توجّهاته التوسّعية وأسبقياته العنفيّة، تجدها اليوم تلوم وتتلوّى وتندب وتتلو "فعل الندامة" وتزعم أنّها اكتشفت أنّ "العقيدة" التي سبق أن اعتنقتها في علاقاتها مع روسيا والعالم، والتي تقوم على أنّ "التّجارة تُحدِث التغيير"، لا تستقيم في التعامل مع رؤساء تسلّطيين وغير ليبراليين وعنفيّين، مثل فلاديمير بوتين.

ولعلّ عملية "النقد الذاتي" التي قام بها رئيس "جمهورية ألمانيا الاتّحاديّة" الحالي فرانك فالتر شتاينماير، في الرابع من أبريل الجاري، تختصر كلّ ذلك.

شتاينماير الذي كان لفترات طويلة وزيراً للخارجية الألمانية في حكومة المستشارة السابقة أنغيلا ميركل، طالما دافع، في وجه الدول الأوروبية والغربية المعترضة والمندّدة، عن خط أنابيب الغاز "نورد ستريم 2" الذي يربط ألمانيا بروسيا من خلال بحر البلطيق، على اعتبار أنّه " أحد آخر الجسور التي تصل روسيا بأوروبا، ولذلك يجب التمسّك به"، تلا، في مقابلة صحافية أجراها في الرابع من أبريل 2022، "فعل الندامة"، بحيث قال:" أصررنا على التمسّك بالجسور التي لا تؤمن بها روسيا نفسها، على الرغم من التحذيرات التي تلقيناها من شركائنا. لقد أخطأتُ مثلي مثل آخرين".

الآخرون، مثل ميركل وساركوزي، كانوا في أبريل 2008 قد ارتكبوا ما يسمّيه البعض "الخطيئة الأصلية" في تعاطيهم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عندما وقف الرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية، في قمة "حلف شمال الأطلسي"، ضد ضمّ كلّ من أوكرانيا وجورجيا إلى هذا الحلف، بهدف عدم "إزعاج روسيا".

وبعد أربعة أشهر على هذا "الفيتو" الفرنسي-الألماني، شنّ بوتين حرباً ضد جورجيا. بالنسبة لعدد من المسؤولين الأوروبيين، في حينها، فإنّ "الفيتو" شجّع بوتين على السير قدماً بمخططاته التوسعية.

وفي العام 2015، أي بعد حرب بوتين الأولى على أوكرانيا في العام 2014 التي نتج عنها فصل جزء من إقليم دونباس عن الدولة وضمّ شبه جزيرة القرم إلى روسيا، أطلقت ألمانيا العمل لبناء "نورد ستريم 2"، ورفعت من نسبة اعتمادها الكبير على الغاز الروسي.

ورفضت السلطات الألمانية أن تستمع الى الأسباب الموجبة لصرخات التنديد الأوكرانية والأوروبية والغربية، وواصلت أعمال بناء خطّ أنابيب الغاز هذا، على الرغم من دخولها في "صراع سياسي" مع روسيا على خلفية تسميم المعارضين الروس وقتلهم وعدم احترام الاتفاقيات التي وقّعت عليها، في كل ما يختص بالأراضي "المحتلة" في أوكرانيا.

كثيرون يعتقدون أنّ الرابع والعشرين من فبراير 2022، أحدث صدمة في أوروبا، وتالياً أدخلها في حقبة سياسية جديدة، مع معادلات سياسية مختلفة عن تلك التي كانت تعتمدها.

المعادلات السابقة تُظهر أوروبا، اليوم كما لو كانت "ساذجة" بالأمس. وهذا التعبير ليس من بنات أفكار أعداء أوروبا، بل هو جزئية بسيطة من عملية "النقد الذاتي" التي يطلقها المسؤولون الأوروبيون على غاربها، وهم يناقشون الاتهامات الموجّهة إليهم، بتمويل الغزو الروسيّ على أوكرانيا مقابل "إدمانهم" على مصادر الطاقة الروسية، إذ إنّهم سدّدوا لموسكو، منذ الرابع والعشرين من فبراير الأخير فاتورة بقيمة ستة وثلاثين مليار "يورو"، في حين لم يقدّموا إلى كييف مساعدات عسكرية وإنسانية إلّا بقيمة مليار "يورو" لا غير.

ولكن هل تخلّى الأوروبيون عن هذه "السذاجة" فعلاً، مترجمين ذلك بخمس دفعات من العقوبات غبر المسبوقة، أم أنّ "النقد الذاتي" الذي يجرونه، هنا وهناك، ليس سوى وسيلة لامتصاص غضب الرأي العالمي منهم، وتالياً هم يسعون الى "غسل أياديهم" من علاقاتهم "الحميمة" مع فلاديمير بوتين، بعدما اتّسخت صورته بما ارتكبته قواته العسكرية من مجازر وجرائم في الحرب التي يشنّها ضد أوكرانيا، كما سبق أن فعل ساركوزي مع كلّ من بشّار الأسد ومعمّر القذافي؟

كثيرون ينحازون الى الاعتقاد بأنّ ما يجري ليس اعترافاً أوروبياً بـ"سذاجة" ظاهرة، بقدر ما هو محاولة لتبرئة الذات من "التورّط" المتمادي مع بوتين. دليل هؤلاء على ذلك لا يكمن في إصرار الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون على التواصل مع نظيره الروسي، وسط "تواطؤ" أعنف خصومه في الانتخابات، على الرغم من تنديد أكثر من دولة أوروبية بهذا النهج الذي شبّهوه بالتفاوض مع الزعيم النازي أدولف هتلر، فحسب بل هو يتجلّى أيضاً، في أنّ القادة الذين يلطمون خدودهم على تعاملهم السابق مع "رئيس تسلّطي وعنفي وتوسّعي" يلهثون، اليوم، حتى، ولو اقتضى ذلك رفع واشنطن لـ"الحرس الثوري" من قائمة الإرهاب، إلى إتمام صفقة مع "الجمهورية الإسلامية في إيران" التي يحكمها من يظهر بوتين بالمقارنة معهم... ملاكاً!

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.