3 زيارات أميركية رفيعة المستوى لأنقرة في فترة شهر، تعاون دفاعي واقتصادي، وها هو الحديث عاد أميركيا عن بيع تركيا طائرات أف-16، بعد أن خسرت مقاتلات الأف-35 في 2019.
ملامح التقارب التركي-الأميركي بدأ مع الانسحاب من أفغانستان في سبتمبر الماضي ومحاولة الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، استمالة واشنطن من خلال وساطة مع طالبان واستلام أمن مطار كابول.
لا الوساطة ولا استلام المطار اكتمل بعد بسبب خلافات بين أنقرة وطالبان، إنما محاولات إردوغان ترطيب الأجواء مع واشنطن استمرت لشهور بعد الانسحاب.
اجتياح روسيا لأوكرانيا في 24 فبراير هو المحول الاستراتيجي في العلاقة بين تركيا وأميركا. فإردوغان رأى بأم العين عشوائية فلاديمير بوتين وتطرفه في صنع القرار، والرئيس الأميركي جو بايدن رأى في تركيا مرة أخرى شريكا يحمل عدة مفاتيح جيوسياسية، دفاعية واقتصادية داخل الناتو.
فمن طائرات البيرقدار من دون طيار، التي تفعل فعلها في معارك أوكرانيا بعد كرباخ، إلى الانفتاح المبكر والدعم العلني لفلودومير زيلينسكي، دخلت تركيا مجددا على خط الناتو لتنعش دورها بعد سنوات من الجفاء.
واشنطن قرأت رسائل تركيا وانعطفت سريعا للبناء عليها. فمن 4 مارس حتى اليوم زار أنقرة كل من نائبة وزير الخارجية، ويندي شيرمان، ووكيلة الشؤون السياسية في الخارجية، فيكتوريا نولاند، ومساعدة وزير التجارة، ماريسا لاغو. وسيلحق هذه الزيارات، محطة لوزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، في واشنطن للقاء نظيره، أنتوني بلينكن، في الأسابيع المقبلة.
النتائج الأولى للاجتماعات كانت دفاعية، مع تأكيد إدارة بايدن تعتقد بأن بيع طائرات الأف-16 المقاتلة لتركيا سيكون متسقا مع مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة، وسيخدم أيضا وحدة الناتو على المدى الطويل.
وكانت تركيا طلبا إلى الولايات المتحدة في أكتوبر الماضي لشراء 40 مقاتلة من طراز أف-16، التي تنتجها شركة لوكهيد مارتن، وما يقرب من 80 مجموعة تحديث لطائراتها الحربية الحالية.
هذه الصفقة هي بديل عن صفقة الأف-35 التي خسرتها تركيا بعد شراء منظومة أس-400 الروسية، إنما ما زالت تلاقي معارضة الكونغرس.
اليوم، إردوغان بحاجة كبيرة لدعم واشنطن قبل عام من الانتخابات التركية، وكشريك اقتصادي وأمني لا بديل عنه خصوصا في ظل تخبط بوتين في المعترك الأوكراني. إنما التردد الأميركي مستمر نظرا لتاريخ إردوغان وتقلباته السياسية.
فواشنطن أكثر من راضية على دعم تركيا لأوكرانيا وحوارها الإقليمي مع مصر والخليج، إنما ما زالت هناك أسئلة عن علاقتها الدفاعية بروسيا ومحاولتها إيجاد توازن بين الشرق والغرب. فإردوغان غير مستعد للتخلي عن صواريخ الأس-400 لأن ذلك سيغضب بوتين، وهو في نفس الوقت يريد دعما أميركيا لطمأنة الأسواق وإعادة الثقة بالعملة التركية.
إردوغان ينتظر دعوة من واشنطن للبيت الأبيض، إنما بايدن ليس مستعجلا على ذلك، وغير مستعجل أيضا لزيارة تركيا. اليوم تريد أميركا من تركيا ضمانات وخطوات ملموسة تؤكد التزامها بالناتو وعدم تخطي التحالف في إدارتها المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا.
طبعا بالنسبة لإردوغان هكذا خطوة تحتاج تنازلات غربية أيضا سواء كان اسمها مقاتلات الأف-16 أو تعزيز التبادل التجاري.
ما يمكن قوله اليوم هو أن الجفاء الأميركي-التركي بات من الماضي من دون أن يعود الدفء بشكل كبير للعلاقة. فالامتحان مستمر بين إردوغان وبايدن، لإيجاد توازنات تلاقي مصالح الطرفين، فيما روسيا يتم استنزافها في أوكرانيا.

