أن تأخذ تركيا منحا مختلفا هذه المرة لهو أمر له دلالته بكل تأكيد
أن تأخذ تركيا منحا مختلفا هذه المرة لهو أمر له دلالته بكل تأكيد

من بين الأخبار اللافتة الأسبوع الماضي الإدانة التي وجهها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان للهجمات الإرهابية الفلسطينية الأخيرة التي أسفرت عن مقتل 11 إسرائيليا، والتي وصفها بالمقيتة. وجاء ذلك في اتصال هاتفي أجراه إردوغان بنظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ (1 أبريل 2022) لتعزيته بالضحايا.

وبذلك انضم إردوغان إلى كل من الإمارات والبحرين ومصر والأردن والسلطة الفلسطينية، الذين نددوا بتلك الهجمات.

وأقول كانت لافتة، لأن محور "الإخوان" الذي تتزعمه تركيا (ليس معروفا بعد ما إذا كانت لا تزال تتزعمه أم لا) قد أشاد (كعادته) بتلك الهجمات وطبّل لها وزمّر واعتبر منفذيها "شهداء" وأحياء عند ربهم يرزقون!

لذلك فأن تأخذ تركيا منحا مختلفا هذه المرة لهو أمر له دلالته بكل تأكيد.

وما يدعم ذلك أن الخطوة التركية تأتي في ظل سياق أوسع يسعى من خلاله أردوغان حسبما يبدو إلى العودة بالسياسة الخارجية لأنقرة إلى مرحلة ما قبل "الهيجان الإخواني" والتي كان لها الفضل في المكاسب الاقتصادية والسياسية التي حققتها تركيا خلال تلك السنوات. وهي السياسة التي تميزت بالعلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة من إسرائيل وحتى مصر ودول الخليج.

وتعطينا ردود الفعل الإخوانية بالذات على هذه التغيرات فكرة عن المدى الذي ذهبت إليه.

ففي تعليقه على تحسن العلاقات التركية الإسرائيلية، والزيارة التي قام بها الرئيس الإسرائيلي إلى أنقرة الشهر الماضي، قال الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين - الذراع الدعوي للإخوان المسلمين والذي يتخذ من العاصمة القطرية الدوحة مقرا له - إنه فوجئ بزيارة الرئيس الإسرائيلي والاستقبال الرسمي الذي خصته به الرئاسة التركية، كما اعتبر في بيان له (10 مارس 2022) الزيارة "خطوة تطبيعية مرفوضة ومدانة".

وقد سارت على خطى الاتحاد في إدانة الموقف التركي حركة حماس والجهاد وغيرها من التنظيمات الإسلامية أو التنظيمات القريبة منها أو تلك التي تدور في فلكها.

لكن الملاحظ أن السلطات التركية لم تكترث كثيرا لهذه الانتقادات "الإخوانية"، إذ يبدو أن قرارها باستعادة العلاقات الطبيعية مع إسرائيل قد اتخذ وفق قراءة استراتيجية ولم يكن خطوة تكتيكية.

ومن المتوقع – بحسب الأنباء - أن تشهد الأيام المقبلة زيارة مماثلة من قبل الرئيس التركي لتل أبيب لبحث عدد من القضايا الاقتصادية والسياسية بين الطرفين.

كما أعلن وزير الخارجية التركية مولود تشاويش أوغلو (31 مارس 2022) أنه سيقوم بزيارة إلى إسرائيل في منتصف شهر مايو القادم، وأنه سيناقش خلال اجتماعه مع نظيره الاسرائيلي إعادة متبادلة للسفراء بين البلدين والتعاون على إقامة أنبوب غاز.

لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو لماذا قام الرئيس التركي أردوغان بهذه الاستدارة والتي لم تتوقف عند إسرائيل وإنما طالت أيضا تحسين العلاقات مع عدد من الدول العربية مثل مصر والسعودية والإمارات؟  

هناك بالطبع أسباب لذلك، وهي لا تخفي على أحد، على رأسها السبب الاقتصادي. فقد اكتشف إردوغان وحزبه أن لسياسة التوسع الإقليمي ودعم حركات الإسلام السياسي والتخريب في المنطقة ثمن اقتصادي باهظ. وقد عانت تركيا من هذه السياسة بصورة واضحة ومباشرة في السنوات الأخيرة ولا تزال تعاني منها. حيث أصيبت الليرة التركية بالأنيميا وخسرت أكثر من نصف قيمتها كما ارتفعت نسب التضخم بصورة غير مسبوقة وجرى استنزاف احتياطي العملات الأجنبية، وفي الإجمال بات الغموض العام يلف مستقبل الاقتصاد التركي ككل.

وقد حاول إردوغان أن يراوغ ويكابر ويتدخل بنفسه في السياسات الاقتصادية، بما في ذلك تحديد أسعار الفائدة، لكنه اكتشف أن ذلك لا يجدي نفعا. فحين تفقد المؤسسات الدولية والشركاء التجاريين والقوى المؤثرة ثقتها في سياسات دولة ما فهذا يعني أن اقتصادها معرض للانهيار.

السبب الآخر هو أن ثمة واقع إقليمي جديد بدأ يتشكل في المنطقة من بين أبرز ملامحه التحالف الناشئ بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، والذي كان نموذجه المصغر هو قمة النقب التي جمعت إسرائيل والإمارات والبحرين والمغرب ومصر والولايات المتحدة. وهذا النموذج الذي يتوقع أن يتطور مستقبلا ليشمل السعودية أيضا وغيرها من الدول العربية، لن يتوقف عند الجانب العسكري أو الأمني وإنما يتعداه إلى الجانب الاقتصادي. وبالتأكيد فإن آخر ما تريده تركيا هو أن تجد نفسها على هامش هذا الواقع.

لكن أيا يكن السبب الذي يقف وراء الاستدارة التركية فهي خطوة تنم عن الحصافة والتقدير السليم للموقف، وهي ليست خطوة معتادة من الرؤساء المستبدين، لكن الحالة التركية تبدو مختلفة لأنه هناك عملية ديمقراطية وانتخابات برلمانية وأحزاب معارضة، وهذا كله يمنع الرئيس التركي إردوغان من التمادي على نحو ما يفعله الرئيس الروسي اليوم أو ما فعله صدام حسين، على سبيل المثال لا الحصر. وبالتالي فإن الواقع الديمقراطي التركي والنظام العلماني يفرضان على أي سياسي تركي قيودا وحسابات يصعب تجاهلها.

ومن شأن جنوح السياسة التركية نحو الاعتدال أن ينعكس إيجابا على بعض الملفات الساخنة في المنطقة، ولا يستبعد أن يكون هو الذي أقنع حركة حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما من التنظيمات الإرهابية بالامتناع خلال الأيام الماضية عن تفجير الموقف مع إسرائيل عبر إطلاق الصواريخ من قطاع غزة.

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.