أسئلة تحتاج إلى إجابات من رجال الدين والمؤسسات الإسلامية
أسئلة تحتاج إلى إجابات من رجال الدين والمؤسسات الإسلامية

جاءني شاب عربي في أوائل العشرينيات من عمره، وقال لي إنه مسلم ولكن لديه أسئلة لم يجد لها إجابة، ويريد أن يطرحها لعل وعسى يجيب عليها بعض رجال الدين حتى يهدأ باله.

وعدته أن أنقل أسئلته حتى تصل إلى مسامع رجال الدين وشيوخ الأزهر وغيره من المؤسسات الإسلامية لكي نعرف الإجابة – إن كان لديهم إجابة - لأسئلته!

وهذه هي الأسئلة التي طرحها هذا الشاب الحائر الباحث عن إجابات منطقية لأسئلته في الدين: 

كيف نقول للناس أن الإسلام دين "السلام"، وكتب الشريعة وكل فقهاء الإسلام يدعون المسلمين لإعلان الحرب على غير المسلمين كي يختاروا إما الإسلام أو الجزية أو القتل؟ ولماذا لم نسمع رجال الدين الإسلامي يعترضون على هذا المبدأ الدموي؟

كيف أقول للعالم أن الإسلام هو الذي كرم المرأة في حين أن رجال الدين وتفسيراتهم لم تزل تبيح ضرب المرأة إذا رأى الزوج ضرورة لذلك؟

كيف أقتنع أن الإسلام يدعوا إلى الفضيلة والحشمة للمرأة في حين أن الشريعة جعلت عورة الأمة من السرة إلى الركبة، وكان عمر بن الخطاب - تبعا لكتب الأحاديث وتبعا لتقسير بن كثير - يضرب الإماء إذا غطين أجسادهن بصورة كاملة لأنهن بذلك  - كما جاء في هذه الكتب – "يتشبهن بالحرائر"؟

إذا كانت الصلوات الخمس هي "عماد الدين" كما يقال، فلماذا لم يذكر القرآن عدد الصلوات بوضوح، ولماذا ذكر ثلاثة أوقات فقط للصلاة كما جاء في الآية الكريمة "وأقم ٱلصلوة طرفي اٱلنهار وزلفا من ٱليل إن ٱالحسنت يذهبن ٱالسيـٔات ۚذلك ذكرى للذكرين" (سورة هود آية 114)؟ 

إذا كانت "القدس" مدينة مقدسة حقا في الإسلام، فكيف لم يذكر اسمها (بفتح الميم) القرآن ولو لمرة واحدة؟ 

لماذا يصر الناس أن الرسول سيشفع للمسلمين يوم القيامة في حين أن القرآن كان واضحا جليا في هذا الأمر بقوله تعالى "يا أيها اٱلذين آمنوا أنفقوا مما رزقنكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفٰاعة"؟ 

لماذا يصلي المسلمون على الرسول كلما تم ذكر اسمه أمامهم كما فهموا من الآية الكريمة "صلوا عليه وسلموا تسليما " ولا يسبحون (بضم الياء، وبشد الباء) بنفس الحماس اسم الله نفسه إذا ذكر أمامهم تبعا للأمر القرآني "سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى"؟ ثم قال لي جرب بنفسك أن تقول رسول الله في أحد خطب الجمعة ... فهل ستتحرك الألسنة بتسبيح الخالق الأعظم أم بالصلاة على الرسول؟ أو افتح أي كتاب إسلامي وسترى أن الصلاة على الرسول تأتي بعد ذكره ولا يتم كتابة "سبحانه وتعال" بعد ذكر الخالق نفسه ... فلماذا يطبقون آية ويهملون الأخرى؟

ثم استطرد فقال لي "هل يحب المسلمون الرسول أكثر من الله؟"... وهل ينطبق عليهم بذلك قول الله سبحانه وتعال "ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله" (سورة البقرة 165)؟  

لماذا عصى البخاري أمر الرسول بأن لا يتم كتابة أي شيئ عنه غير القرآن كما جاء في الحديث الصحيح "لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه"؟ 

كيف يقبل رجال الدين مبدأ قتل المرتد بالرغم من وضوح القرآن في هذا  الأمر كما جاء في قوله تعال "لآ إكراه في اٱلدين قد تبين اٱلرشد من اٱلغي"، وفي قوله جل وعلا "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"؟

في "موقعة الجمل" التي حدثت بين قوات علي بن أبي طالب والجيش الذي يقوده طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام بدعم من السيدة عائشة زوجة الرسول تم قتل آلافا من الصحابة بأيدي صحابة آخرين ... فمن منهم (أي من هؤلاء الصحابة) يا ترى سيدخل النار ومن منهم سيدخل الجنة؟ 

ووسط ذهولي، وقف هذا الشاب وقال لي أنا أنتظر إجابات شافية لهذه النقاط؟ واسمح لي أن أتركك الآن لأني عندي موعد وأتمنى أن أسمع رد رجال الدين على هذه الأسئلة التي تدور في بالي؟

ووعدته أن أنقل هذه الأسئلة لمسامع كثيرين وها أنا أنقلها لكم! 

وللحديث بقية!

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.