منذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا، لوحظ مدى اهتمام الإعلام العالمي وحرصه على التغطية المستمرة لوقائعها السياسية والدبلوماسية والإنسانية والعسكرية، ومواكبتها ميدانيا عبر مراسلين محترفين من الجنسين، أكفاء وشجعان، يقومون بتغطية دقيقة وحريصة للحدث تحت ظروف جوية شديدة القسوة. قتل خمسة منهم في الأسابيع الثلاثة الأولى فقط، وهو رقم مرتفع يؤشر إلى مدى عنف المعارك على الأرض والخطورة القصوى التي يواجهونها.
لا يتعلق هذا الزخم الإعلامي بالحرب على أوكرانيا بسبب طبيعتها كحرب مدمرة وغير مبررة استبيحت فيها سيادة دولة مستقلة فقط، بل أثبتت وقائع الأسابيع الثمانية الشرسة الفائتة أنها حرب مفصلية في التاريخ المعاصر، تدور في خلفياتها صراعات عميقة بين قوى عظمى ومصالح استراتيجية كبرى، وسترسم نتائجها تحالفات جديدة وخرائط سياسية ومستقبل مختلف يطال الجميع.
منذ الأيام الأولى، نجحت أوكرانيا بسبب سياستها الليبيرالية في اكتساب الحرب الإعلامية الموازية لصالحها، عبر إدراكها لمعنى مواكبة الإعلام ودوره، والفارق الكبير الذي يمكن أن يصنعه. ففتحت جميع منافذها واستقطبت كبرى وسائل الإعلام وسهلت عملها، والتي لوحظ أن المهنية العالية هي التي تضبط أداء معظم طواقمها، وحيث لا وصاية أو رقابة أوكرانية رسمية وضحت حتى اليوم على المحتوى الإعلامي الذي يتم نقله للعالم.
في المقابل، خسرت روسيا حربها الإعلامية منذ الأسبوع الأول، ليس للأسباب غير المقنعة التي ساقتها لتبرير حربها فقط، بل أيضا لجملة من الأخطاء المتتالية، كان من أبرزها القانون الذي أصدره مجلس الدوما حول تقييد العمل الإعلامي وحرية التعبير والتهديد بالسجن، وهو مادفع العديد من وسائل الإعلام العالمية إلى تعليق عملها في الاتحاد الروسي، الأمر الذي حصر الخطاب الإعلامي الروسي بالخطاب الرسمي المتمثل إما بتصريحات وزير الخارجية أو المتحدث باسم الكرملين أو وزارة الدفاع.
في السياق ذاته، لوحظ أن بعض المراسلين الذين مازالوا يعملون في موسكو، تشوب تقاريرهم لغة الحذر والانطباع بعدم الراحة بسبب شدة الانتباه والحرص المستمر على انتقاء المفردات المناسبة التي تراعي القيود الروسية، والابتعاد قدر الإمكان عن الاستنتاج أو الاجتهاد أو التحليل، والاكتفاء بنقل ما يتداوله الساسة والإعلام الرسمي وردود الفعل الرسمية، فيما الشارع الروسي غائب عن المشهد، أومغيّب بشكل أدق.
تدرك موسكو مثل العديد من الدول العنيدة المشابهة، أن الخطاب الرسمي يبقى خطاباً رسمياً تفك شفرته الدول والساسة وأجهزة الاستخبارات، وأنه لم يعد ملائماً لإشباع الفضول العالمي وحاجته الملحة لخطاب حديث مختلف يواكب انفتاح العصر والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والنهم إلى تعدد المصادر وتقاطعها، وأن اكتساب الرأي العام المعاصر مراهنة شديدة الذكاء والدهاء، يخسرها كل من يغلق الأبواب في وجه الإعلام، ورغم كل ذلك، تعاند.
وهو مؤشر يمكن القياس عليه في العديد من الحروب والنزاعات التي جرت أو مازالت تجري في بعض دول العالم، حيث ثبت أن تغييب الإعلام العالمي عن هذه النزاعات يمكن أن يشكل فارقاً جوهرياً يوازي الفارق الكبير الذي يمكن أن يصنعه حضوره، حتى لو أحيط هذا الحضور بالرؤية التقليدية التي تتهمه "بالتآمر" أو عدم الاستقلالية أو التحيز أو سواها من الاتهامات، تبقى منافع الحضور أكثر بكثير من ضرر الغياب.
كان لبنان-سابقاً- أحد أبرز الدول التي تميزت بسعة هامش حرياته الإعلامية، وحضرت والأدق أنها كانت حاضرة في الأساس، العديد من وسائل الإعلام العالمية لتغطية الحرب الأهلية سنة 1975، ودفع العديد من الصحفيين والمراسلين حياتهم خلالها أو اختطفوا. لكن الجميع في نهاية المطاف، تمكنوا معاً من توثيق هذه المرحلة المفصلية بمظالمها ووحشيتها وتحولاتها وتجاذباتها، ورفدوا التاريخ بمراجع قيمة تخدم الحقيقة، مهما بدت هذه الحقيقة قاسية وجارحة.
والحقيقة الأوكرانية التي تتبلور يوماً بعد يوم، تؤكد وقوع ظلم شديد على هذه الدولة، وأن الآلة العسكرية الروسية شردت شعباً وما زالت تسحق أجساد من تبقى، فيما الإعلام الذي صنع هذا الفارق في الإضاءة على هذه الحقيقة القاسية، شاهد عيان.

