لوحة تصور تمثال للدكتاتور صدام حسين  خلال تحطيمه في العاصمة بغداد في أبريل 2003
An Iraqi man walks past a billboard depicting the fall of executed dictator Saddam Hussein's statue in Baghdad on April 9, 2013. Iraq quietly marked a decade since US-led forces took control of Baghdad, sealing the ouster of Saddam Hussein's brutal…

يفترض المفكّر السعودي توفيق السيف في مقاله (الأموات الذين يعيشون في بيوتنا): "إن الشوقَ لِلتاريخ يتأثّر بدوافع عدّة أهمها؛ بعض النّاس يذهبون لِلتاريخ مثلما يزورون المتاحف، غرضهم المعرفة أو الاستمتاع بتجربة حياتية مختلفة عمّا اعتادوه. وثمة مَن يزور التاريخ سعياً لِلخلاص مِن مشكلات راهنة، لكنَّ جذورها ممتدة لِلماضي. يريد هؤلاء الخلاص مِن ذكريات التاريخ البغيض، مِن خلال اعتذار يشكّل نوعاً مِن المصالحة الأخلاقية بين الظالم والمظلوم. وثمة مَن يذهب لِلتاريخ محاولاً 'إعادة تصنيع' هوية قابلة لِلاستعمال في الصراعات السياسية الراهنة. ولهذا المنحى علاقة جوهرية بمفهوم الأمّة والهوية الجامعة. وأخيراً فهناك مَن يذهب لِلتاريخ هارباً مِن الإقرار بعجزه عن مواجهة تحديات الحاضر، أو لأنّه غارق في ثقافة الماضي بقدر يجعله منقطعاً تماماً عن الحاضر. ولذا فإنَّ مجاورة الأموات تشكّل أنسه الوحيد». 

وكعراقيين تستهوينها المناسبات التاريخية، ونستذكرها بسجالات عاطفيّة أكثر مِن كونها منطقية وموضوعية، وبدلاً من أن تكون الذاكرة التاريخية مصدراً لِلإجماع الوطني، نجدها مناسبة لِلسجالات التي تستحضر الماضي ومقارنته بالحاضر. فالعراقيون أمّة مهووسة بالسجالات الماضوية أكثر مِن تفكيرنا بمشاكل الحاضر والمستقبل! لذلك باتت مقارناتنا محصورة في دائرة القياس على مقولة (ماضينا أفضل مِن حاضرنا)! 

 قد تكون مآسي وخيبات واقعنا السياسي، مبرراً لِلنكوص بالتفكير نحو الماضي. ولكننا نرتكب خطيئةً كبرى عندما تكون مقارنتنا بين الأسوأ والأسوأ، ونتوهّم بأنّها مقارنة بين سيّء وأفضل، وبذلك نجانب المنطقَ والصواب، مِن حيث نعلم أو لا نعلم. ويبدو أنَّ مشاعرنا في المقارنة تطغي أكثر مِن تحكيم العقل والمنطق والحقائق التاريخية. ومِن ثمَّ بات سخطنا على الطبقةِ السياسية التي تحكم منذ 2003 والتي استبدلت جمهوريةَ الخوف بجمهوريةِ الفوضى والفساد، هو المعيار في المقارنة بين ما قبل 2003 وما بعده. 

لا أريد محاكمة الماضي على اعتبار أنّه فترة حكم البعث، لأننا قد لا نختلف على الدمار الذي ألحقه بالعراق دولةً وشعباً، لأنَّ تلك هي دائرة السجال التي تريد ترسيخه أحزاب السلطة التي حكمت بعد 2003 وتجعله هو المعيار في قراءتنا ومواقفنا مِن واقعنا السياسي الحاضر. فالطبقةُ السياسية التي تحكمنا اليوم لا تملك أيَّ منجز يمكنها أن تتفاخر به. والمحاكمة الحقيقة لِلماضي يجب أن تبدأ منذ حقبة ما بعد 2003 إلى يومنا هذا.  

إذ تواطأت إرادات دول خارجية، وإرادات سياسية داخلية، على صناعة تراجيديا الدمار والخراب والفوضى التي يعيشها العراقيون اليوم، حتّى باتت خيارات الخلاص مِن هذا الواقع المأسوي بالركون إلى الماضي والتفكير بالخلاص حتّى وإن كان على يد مَن هو أسوأ مِن الحكّام الحاليين! 

لا تريد الزعامات والطبقة السياسية الحاكمة أن تفهم، بأنَّ نظام صدّام لم يسقط على يد الأميركان أو ينهار أمام قواتهم العسكرية، لولا تخلّي العراقيين عنه، وباتوا يعتبرونه نظام حكمٍ يفرض هيمنتَه على الشعب بقوّة الحديد والنّار، لا تربطهم به علاقة سوى الخوف والرعب. ولذلك كانت جريمة نظام صدّام التي لا تُغتفَر أنه قتل الروح والشعور الوطني عند العراقيين، واستبدل الولاء لِلوطن والدولة بالولاء لِلزعيم والقائد الأوحد.  

وبدلاً مِن أن يكون نظام الحكم بعد 2003 قائما على أساس تصحيح العلاقة بين الدولة والمجتمع وإعادة الاعتبار لِلولاء الوطني، عملت الطبقةُ السياسية على إلغاء ما تبقّى مِن ملامح الدولة في ذاكرة الشعب، وألغت تماماً مفردةَ الولاء لِلوطن وفكرة الوطنية واستبدلتها بمفردة (المكوّنات) وحقوقها! ليس هذا فحسب، بل انتقلنا مِن تمركز الدكتاتورية في شخصيةِ القائد، إلى دكتاتوريات متعددة تجسّدها زعامات سياسية. وبالنتيجة النهائية ضياع الوطن وغياب للمواطن وحقوقه وحرياته.  

أخطاء النظام السابق لا يمكن أن نختزلها بحروبه العَبَثية وممارسته الدكتاتورية، وإنّما كانت خطيئته الكبرى تجاهله لتوثيق العلاقة بين النظام السياسي والجمهور. إذ لم يكن هنالك خطوط فاصلة بين الدولة والحاكم والحزب، فالولاء يجب أن يكون أولاً وأخيراً لِلحاكم. تجربة الحكم بعد 2003 يُراد لها إعادة نفس الممارسة السياسية، ولكن مع فارق بالشكل لا بالمضمون، فالزعماء السياسيون سعَوا إلى ترسيخ مبدأ الولاء لِلزعيم السياسي أو الحزبي ليكون المعيار الأساس في تولّي المناصب العليا في الدولة، وأصبح نظام الحكم في العراق يُدار بواسطة الحاشية والمقرَّبين مِن الزعيم وليس على أساس الولاء لِلدولة. ولذلك بات الزعيمُ السياسي حتّى وإن ارتكب أخطاءً كارثية في إدارة الدولة، فهو يبقى بعيداً عن المساءلة والمحاسبة، وهناك جوق مِن المطبلين مهمّتهم تبرير الأخطاء والحديث عن مؤامرة كانت تستهدف تجربتهم في الحكومة. 

مقارنة نظام حكم صدّام مع نظام حكم الطبقة السياسية التي تحكمنا اليوم، هي مقارنة خاطئة، لأنّها تقارن بين الأسوأ والأسوأ. ومحكومة بالشحنات العاطفية والمزاجية التي تتعامل مع أحداث التاريخ بانتقائية، ولذلك تجعلنا ندور في حلقةٍ مفرَغة تعيق تفكيرَنا نحو التصالح مع الحاضر، وصناعة مستقبل يليق بنا. 

ختاماً، استذكار الحدث التاريخي بعيداً عن سياق محاكمة الماضي والتوقف عند أخطائه، سيكون بمثابة محاولة عَبَثية مهمتها تغذية الصراعات السياسية، التي تشغلنا عن أخطاء الحاضر. والتي تريد أحزاب السلطة والطبقة السياسية الهروب مِن مواجهة تلك الأخطاء أو الاعتراف بها. 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.