الجامعة العربية كانت تعلم أن دورها في الوساطة لن يكون فعالا
الجامعة العربية كانت تعلم أن دورها في الوساطة لن يكون فعالا

آثرت غالبية الحكومات والعواصم العربية التموضع في المنطقة الرمادية ما بين موسكو وواشنطن في الحرب الكونية الدائرة في أوكرانيا وعليها، وهو أمرٌ بدا متوقعاً مبكراً لكل من تابع التطورات والتحولات التي ضربت الشرق الأوسط خلال السنوات الفائتة، وكنّا قد أشرنا إليه من زوايا مختلفة، قبل بدء الاجتياح الروسي لأوكرانيا وفي أثنائه، وفي عدة مقالات نشرت على هذا الموقع. 

هي ذاتها الأغلبية التي لجأت إلى "الامتناع عن التصويت" في جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو سارعت إلى إصدار البيانات التوضيحية إن هي صوتت لصالح قرارات تدين حرب موسكو على كييف (الخارجية المصرية)، أو فضلت التغيب عن حضور الجلسات بصورة متكررة (المغرب) ... قلة قليلة من الدول العربية، لم تنزو في "المنطقة الرمادية": سوريا وقفت إلى جانب روسيا، والجزائر بدرجة أقل من الحماسة، فيما اختارت ليبيا التصويت ضدها، وبلا تحفظ في الحالتين. 

دول وحكومات "محشورة" بين خيارين مكلفين، فهي من جهة تحتفظ بعلاقات ذات طبيعة "استراتيجية" مع واشنطن، وإن بأقدار ومستويات متفاوتة، لا يمكن الاستغناء عنها أو تهديدها، لكنها في المقابل، تحتفظ بشبكة علاقات ومصالح مع روسيا، تم تطويرها في السنوات العشر الأخيرة بخاصة، ويصعب "المقامرة" بها من دون عواقب...حدث ذلك كله، في الوقت الذي تآكلت فيه ثقة معظم هذه الحكومات، بجدية الولايات المتحدة في حماية حلفائها من جهة، وخشيتها من "انسحاب أمريكي تدريجي" من المنطقة، لصالح أولويات أخرى بعيدة من جهة ثانية، ورهانها من جهة ثالثة، على أن العالم يتجه نحو "تعددية قطبية"، لن تبقى معه الولايات المتحدة، قوة مهيمنة على النظام العالمي. 

آخر تجليات سياسة "عدم الانحياز" في طبعتها الجديدة، مشروع "الوساطة" التي تقدمت جامعة الدول العربية لحل الأزمة بين روسيا وأوكرانيا، بعد أن تقرر تشكيل "مجموعة اتصال" عربية، برئاسة الأمين العام للجامعة، وعضوية خمسة وزراء خارجية عرب: الأردن، مصر، الجزائر، العراق، والسودان، للقيام بمهمة استطلاعية في موسكو ووارسو (للقاء نظيرهم الأوكراني)، وهذا ما حصل الأسبوع الفائت. 

"الوساطة" في الحالة العربية، مطلوبة بذاتها، بصرف النظر عن جديتها ومضامينها وفرص نجاحها، وأحسب أن الأمين العام والوزراء الخمسة، كانوا يدركون أتم الإدراك، أن أحداً لن يتوقف طويلاً أمام مسعاهم المتأخر نسبياً، وربما لم يكن الوفد العربي، قد أرهق نفسه في إعداد المقترحات والمخارج لإنهاء الحرب والتجسير بين أطرافها، فهو يعلم أنها لن تقدم أو تؤخر ... "الوساطة" مطلوبة لإثبات أن "حياد" معظم العرب في هذه الأزمة، هو من النوع "الإيجابي" وليس "السلبي"، غير المكترث بعِظم الأزمة التي قادت العالم إلى حافة حربٍ عالمية ثالثة. 

الدول العربية الأكثر حماسة للوساطة، هي الدول الأكثر تضرراً بالحرب ونتائجها وتداعياتها، وبالذات على قطاعي الغذاء والطاقة ... فقراء العرب، يدفعون فواتير باهظة لاندلاع هذه الحرب وتطورها واستمرارها ... أما أغنياؤهم، فلديهم من "الفوائض المالية" التي استحدثتها الحرب، ما يكفي لتعويض أية خسارات أو ارتفاعات في أسعار الغذاء ناجمة عنها. 

والحقيقة أن الدول العربية ليست وحدها التي قفزت من "المنطقة الرمادية" إلى مشاريع "الوساطة" و"المساعي الحميدة" ... تركيا المحشورة بين مندرجات عضويتها في "الناتو" ومصالحها الكبرى مع روسيا، كانت سبّاقة في عرض أمرٍ كهذا ... إسرائيل حليفة واشنطن المدللة، لم تشأ المقامرة بمصالحها الناشئة مع موسكو، فتقدمت بمبادرة شبيهة ... الوساطات التي تتحرك في الأزمة الأوكرانية حالياً، نابعة في غالبيتها، من الإحساس بصعوبة الانحياز وكلفه، وتصدر عن دول وحكومات، تريد تفادي الحرج، والخروج بأقل قدرٍ من الخسائر. 

المفارقة المثيرة للدهشة في حالة "الوساطة العربية في الأزمة الأوكرانية" أنها تصدر عن مجموعة من الأنظمة والحكومات، حوّلت بلدانها إلى ساحات حروب وصراعات مفتوحة، فيما وقف نظامها الإقليمي: الجامعة العربية، عاجزاً عن حل أي منها، بعد أن أخفق المرة تلو الأخرى، ولسنوات وعقود ممتدة، في التدخل كطرف مقرر أو حاسم، مكتفياً بلعب دور "شاهد الزور" الذي يُستدعى لتمرير قرارات مواتية لهذا المحور العربي أو ذاك، أو للمشاركة في افتتاح المؤتمرات وتدشين المبادرات. 

فالجزائر، العضو النشط في الوفد العربي، تنخرط في صراع مع المغرب حول الصحراء وغيرها، منذ أزيد من نصف قرن ومن دون توقف، فيما القطيعة التامة، هي السمة العامة لعلاقاتها مع جارتها العربية...والسودان، الذي فقد أجزاء واسعة من أرضه وشعبه، لفشله في إدارة التنوع الداخلي، لا يزال في قلب عاصفة التغيير التي أطاحت بنظام البشير، وحكومته عاجزة عن تنظيم حوار مع شعبها وقواه المنتفضة على "حكم الجنرالات" ... أما العراق، الذي تحول إلى "صندوق بريد" بين إيران وواشنطن، فهو يعجز عن تشكيل حكومة جديدة، بعد مرور نصف عام على آخر انتخابات برلمانية، ولديه من الصراعات المحلية والإقليمية ما يجعله غارقاً لسنوات قادمة في محاولة تفكيكها وإطفائها. 

أما مصر، الدولة العربية الأكبر، وصاحبة المبادرة للدعوة لاجتماع الجامعة وتشكيل "مجموعة الاتصال"، فهي تخفق في "التوسط" بين الفلسطينيين أنفسهم من جهة، وبينهم وبين الإسرائيليين من جهة ثانية، وهي تنخرط في صراع محتدم مع دولة المنبع على نهر النيل، وعلاقاتها بالسودان محكومة بمعادلة "هدنة وتنازع"، ما أن تهدأ وتستقر، حتى تعود لتوتراتها المتكررة والمتعاقبة. 

الجامعة العربية التي أخفقت في حل مختلف الأزمات العربية البينية، من الصحراء الغربية، إلى لبنان مؤخراً، مروراً بليبيا وحرب السنوات الثماني في اليمن، وانتهاء بالعراق وسوريا ... الجامعة العربية، التي أخفقت في إدارة الخلاف والنزاع مع جوار العرب الإقليمي، بدءاً من تركيا وانتهاء بإيران، مروراً بأثيوبيا، دع عنك إسرائيل... الجامعة هذه، يراد لها اليوم، أن تتصدى لأكبر وأخطر أزمة كونية، تجبه البشرية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، فمن يصدق؟ 

إنها وساطة الفقراء و"المحشورين" من العرب، مطلوبة بذاتها ولذاتها، لدرء الحرج، وتفادي الانتقال من المساحة الرمادية، إلى الأبيض والأسود، ولكنها مع ذلك، تذكرنا بأنه ما زال للعرب نظامهم الإقليمي، وأن موته السريري الممتد، لم يدفعه بعد إلى مثواه الأخير. 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.