المتحف الوطني للفنون - أوكرانيا - أعمال فنية
"الوحدة تنطوي على التوق إلى شيء مستحيل"

شممتُ رائحة الموت للمرة الأولى، لا لم تكن في الحرب، كانت عند فتحي لباب مدخل المبنى الذي سكنته لسنتين، الممر الشبيه بمشفى الأمراض العقلية.

هكذا كنت أشعر تجاهه، لم أحب رائحته قط، ولا الثواني المعدودة ضمنه للوصول إلى باب شقتي، أبداً. كنت أركض عوضاً عن المشي. مشتِّتة ذهني عن الشيخوخة الوحيدة خلف كل باب من الأبواب الثمانية المغلقة. لسوء الحظ كان بابي في آخر الممر. 

لم تكن الرائحة مألوفة، بل واخزة تحفر في العظام وتخرج ما فيها، من ثم تتلاشى، غريبة ومريبة، حينها شعرت برغبة في البكاء، لكن دفنتها مع الأكياس السوداء المحمولة من قبل عدة رجال، على عجل، خارجين بها إلى مكب النفايات، يوحي "الأوفرول"، زيهم الموحد، وكأنهم في مهمة انتشال ما تبقى من أحياء بعد انفجار قنبلة ذرية. 

اتضح لاحقاً أن أحد الجيران متوفى، وحيداً منذ أيام، لكن رائحة موته نبهت "جيران" الطابق ذاته للتخلص من الرائحة ووضعها، ووضع أغراضه، ووضعه هو في أكياس سوداء من قبل أشخاص على ما يبدو أنهم مختصين بمهمة التخلص من "الموتى" في شققهم بعد مضي أيام أو أسابيع على رحيلهم.

على ما يبدو الأمر شائع هنا، في سوريا، كان الأصعب من فكرة الموت هو الموت وحيداً، كأن يقول أحدهم: "مسكين مات لحالو بدون ما حدا ينتبه إلا بعد كم يوم!" نبرة الشقفة في الجملة دلالة على ندرة واستثنائية وقوع حدث مماثل. 

لم أكن أدرك أن للموت رائحة، كنت أراه افتراضياً، أسمعه بكاءً مريراً، أشعر به، يمر من خلالي. لم أشمه قط. من المستحيل أن تتمكن من تعبئته داخل أكياس من البلاستيك السوداء، أو هكذا ظننت. 

في السادسة، دخلت غرفة جدتي، هي غير موجودة كالمعتاد! السرير فارغ، والكثير من النساء موزعات على الكراسي بشكل مربع، ظهورهنّ مثبتة على الحائط، يتحدثنّ ويضحكنّ. حينها دون أن أفهم، انفجرت من البكاء فقط لرؤية السرير فارغاً، مما استدعى بكاء جميع من في الغرفة، محولةً أحاديثهم عن بعضهم البعض وقهقهاتهم إلى حفلة بكاء جماعي، بعد مضي يومين من العزاء. نعم هادمةُ البهجات منذ صغري، أعلم. 

الوحدة "loneliness"، الاختلاء "solitude"، العزلة "isolation". 

أنهي مكالمةً صوتية مع المحامي بعد سلسلة من النصائح، مختصرُها تمرين نفسي على التواضع أمام  البلدية ودائرة الهجرة في المستقبل.

"من ستة (أشهر) إلى سنة" يقول لي. الآن علي الانتظار سنة أخرى لأرى عائلتي، أي ثماني سنوات، مسؤولة طلب التقدم للإقامة/الجنسية شعرت بـ "bad vibes" من قبلي. مضحك. 

مستلقيةً على ظهري أردد الكلمات الثلاثة بصوتٍ عالٍ، الوحدة. الاختلاء. العزلة. بثلاث لغات. كيف نحتت هذه الكلمات؟ 

منذ سنوات قليلة فقط، تقبلت صعوبة التغلب على الوحدة بمفهومها الشامل. مقنعة نفسي بأن الحياة تنطوي على صراع مستمر ضد الوحدة. اقتنعت بمحاولة تطويعها إلى جانبي كوحش صغير يتغذى على قلقي ومخاوفي التي تتسرب سهواً. 

سابقاً، إيهاماً مني ومن تراكم الأفكار المكتسبة من حولي، ظننت أن الإحساس بالوحدة والشعور به شيء عرضي، يُنسف بقضاء الوقت مع الشركاء العاطفيين والعابرين، وفرة الأصدقاء وتنوعهم، السفر، الرقص مع الغرباء، المخدرات، الملابس. التجارب. 

أبداً، الوحدة تنطوي على التوق إلى شيء مستحيل؛ نتواصل مع محيطنا من أجل مقاومة شيء لا يمكن التغلب عليه بالكامل، بل محاولة تحويله إلى أدنى مستوى من الشعور إلى حد التلاشي، أو الالتفاف حوله. يمكن للفلسفة أو الأدب أو الفن أو حتى للغة شديدة الدقة أن تتحدث عن الوحدة وتحويرها إلى سرديات وتجارب تلتقط الحقائق الغامضة وراءها، لكن نسفها بالكامل فعل محال. 

"شخصياً" وبالنسبة لي، الوحدة حالة متأصلة في لاوعينا وأجسادنا، ننمو في أرحام غريبة عنا، سابحين فيها وحدنا، ثم نصبح "منتمين" لها ما أن نخرج منها، مرغمين أو مخيرين.

بعكس ما أقنع نفسي باستحالة التغلب على الوحدة كحالة متأصلة وبإمكانية تطويعها إلى حالة من السلام الداخلي، يعرّف بعض علماء الأعصاب الوحدة على أنها حالة من "اليقظة المفرطة" إلى التنبيه بوجود خطر، يُرجح أصل الشعور بها إلى أسلافنا الأوائل فيما يتعلق بالأفعال البدائية الخاصة بالصيد والجمع.

حينها تجمع البشر على شكل مجموعات، كل مجموعة ترتبط فيما بينها بروابط حميمية أو عائلية، من أجل الحماية والبقاء على قيد الحياة، فيما يواجه أي بشري منفرد وغريب عن أي تجمع أي بدون مجموعة ينتمي إليها، إلى احتمالية كبيرة للقتل أو الملاحقة من قبل هذه المجموعات. الأمر غير الشائع عند المجموعات المتشابهة من الكائنات الحية. 

يتم إسقاط هذا الشعور البدائي في الحياة الحالية عند الشعور بالرغبة في الهروب أو الضيق، عند التواجد مع شخص أو مجموعة من الأشخاص إما لأسباب تعود لصعوبة التواصل والفهم أو عدم الارتياح، حيث يعلن الجسد كونك بمفردك أو مع غرباء كحالة استنفار طارئة، استجابةً لشعور قديم مرتبط بالخطر. شعور متأصل من الماضي لكن مستقبليّ الذبذبات. 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.