مالي- إسلام - صلاة - مسجد - تمباكتو
"السبب في هذا هو الاعتقاد الراسخ بأن دم المسلم أعلى قيمة من دم غير المسلم"

على الرغم من أن معظم الدول العربية اليوم تعتمد في نظامها القضائي على القوانين والتشريعات المدنية في الغالب، فإن المرجعية الدينية تظل هي المسيطرة على التفسيرات وطبيعة الأحكام النهائية.

وتعتبر الشريعة الإسلامية إما مصدرا رئيسيا للتشريع أو المصدر الرئيسي للتشريع في غالبية الدساتير العربية، وهذا يعني أن أي قانون أو تشريع لا يمكن أن يأتي مخالفا أو متعارضا مع الشريعة.

والذي يقرر إن كان حكم ما متوافقا مع الشريعة الإسلامية أم لا هم رجال الدين الذين يستندون بدورهم إلى التراث الديني، وهذا يشمل من ضمن ما يشمل بالإضافة إلى ما ورد في القرآن، الأحاديث النبوية وما قرره القدماء وتوافقوا حوله من أحكام.

لكن المؤسف أن هذا التراث بشكله الحالي، حافل بالأحاديث والأحكام التي تتعارض مع قيم العصر ومع مواثيق حقوق الإنسان بما فيها تلك الداعية للمساواة بين البشر بغض النظر عن العرق والجنس والدين وما شابه، واحترام الكرامة الإنسانية وضمان الحرية الدينية وغيرها الكثير مما نصت عليه تلك المواثيق.

هذا لا يعني أنه يتم العمل بجميع ما جاء في تلك الأحاديث، بالطبع كلا لاستحالة ذلك من الناحية العملية والواقعية، ولكنه يعني أن الإبقاء عليها أو الاعتراف بأنها صحيحة وذات قدسية يمكن أن يدفع البعض إلى تطبيقها بصورة حرفية وهو معتقد بأنه إنما يطبق ما هو معلوم من الدين بالضرورة!

بل الأدهى من ذلك أنه تتم إشاعة وتجذير ثقافة عدائية في التعامل مع غير المسلم سواء كان من أتباع الأديان الأخرى أو ممن لا دين له. 

ويعطينا ما جرى في مصر الأسبوع الماضي حين قام رجل ستيني بقتل الكاهن القبطي أرسانيوس وديد في الإسكندرية طعنا، فكرة عما يحدث هنا، وهو حادث ليس الأول من نوعه وللأسف لن يكون الأخير، حيث لا يزال الغموض يلف مصير الجاني، بين من يريد إعطاء الانطباع بأنه مختل عقليا، وبين من يقول إنه متطرف وله سوابق في هذا المجال.

هنا يحضر أيضا الحديث الذي يقول: "لا يقتل مسلم بكافر" وهو حديث رواه البخاري ويعتبره معظم الفقهاء صحيحا ويجمعون عليه، كما توجد أحاديث قريبة منه تعضده مثل الحديث الذي يقول «المؤمنون تَكَافَأُ دماؤهم، وهم يد على من سِوَاهم، ويسعى بذِّمَّتِهِم أدناهم، ألا لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذُو عَهْد في عهده، من أحدث حَدَثَاً فعلى نفسه، ومن أحدث حدثا، أو آوى مُحْدِثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».

ومعنى الحديث الأول أن المسلم إذا قتل كافرا أو غير مسلم فإنه يمكن إيقاع أي عقوبة بحقه يراها القاضي مناسبة باستثناء القتل، أي الحبس أو الجلد وما شابه ذلك.

والسبب في هذا هو الاعتقاد الراسخ بأن دم المسلم أعلى قيمة من دم غير المسلم. فلا يجوز والحالة هذه أن يتساويا في العقوبة المستوجبة في حالة القتل.

وهذا يعني أن قاتل غير المسلم يضع في ذهنه وهو يرتكب جريمته أمرين، الأول أنه يقوم بعمل ربما فسره بناء على أقوال بعض المتشددين بأنه جيد ومحمود من الناحية الدينية، والأمر الثاني أنه في جميع الأحوال لن يتعرض لعقوبة الإعدام، وربما ساعده البعض في الجهاز القضائي والتنفيذي ممن يتبنى نفس أفكاره على تفادي العقوبة المنصوص عليها في القانون تحت طائلة المرض النفسي وما شابه ذلك.

هذا لا يعني بالضرورة أن قاتل القس المصري قد استند على هذا الحديث أو غيره قبل القيام بفعلته، فهذا أمر متروك للقضاء كي يحقق فيه ويتوصل إلى حقيقة ما حدث فعلا، لكنه يعني أن الثقافة الدينية السائدة تشجع على هذه الممارسات وخاصة حينما يتعلق الأمر بالتعامل مع غير المسلمين أو المختلفين في الطائفة.   

فحين يكون هؤلاء أقل قيمة أو مكانة في نظر "الخالق" من الطبيعي أن يكونوا أكثر عرضة للاستهداف من قبل "المخلوق".

وهناك من يجادل بأن هذا ليس مقتصرا على الإسلام فقط، فمعظم الأديان الأخرى تنظر بنفس الطريقة تقريبا لأتباع غيرها أو الذين لا يشاطرونها نفس الاعتقاد، وهذا القول في الإجمال ربما يكون صحيحا، لكن الفرق هو أن تلك الأديان ليست دينا للدولة أو مصدرا رئيسيا للتشريع!  

بمعنى أن تلك الاعتقادات تخص المؤمنين بها ولن تجدها في المجال العام، أي في التشريعات وفي مناهج التعليم أو في وسائل الإعلام أو خطب المساجد، كما هو الحال مع المجتمعات الإسلامية، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية!

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.