لبنان - فقر - انتخابات نيابية
"الفريسة هذه المرة هي مستقبل اللبنانيين، بعد أن سرق ماضيهم وحاضرهم"

لماذا شعر الكثير من السياسيين اللبنانيين، من أركان نظام الفساد والارتهان، أن اللحظة مناسبة لتوريث أبنائهم؟ السؤال يصبح ملحاً إذا ما لاحظنا أن الدورة الانتخابية الراهنة شهدت أوسع انتشار لظاهرة التوريث، وبعض من أقدم عليها لم يفعلها لاستحقاقات عمرية، إنما بسبب شعوره أن الفرصة مواتية لتمرير أبنائه، تماماً كما شعرت المصارف بفرصة الأسبوعين التي أعقبت التاريخ الرسمي للانهيار في العام ٢٠١٩ فحولت أرصدة السياسيين إلى الخارج بسرعة قبل أن تفوت الفرصة!

الفرصة مواتية واللحظة تقتضي التحرك سريعاً للتوريث. إلياس المر وأحمد فتفت وبطرس حرب وعبد الرحيم مراد، وكان سبقهم غيرهم من آل الجميل وجنبلاط والحريري، بالإضافة إلى أبناء ورثة لمواقع رحل أصحابها إلى دنيا الحق مثل جورج سعادة وجان عبيد.

تحفل الانتخابات اللبنانية هذه المرة بهذه الظاهرة على نحو أكثف مما شهدته في الدورات السابقة، ومن المسلي، وربما من المفيد، أن نبحث عن أسباب تصدرها، خصوصاً أن الظاهرة مترافقة مع انهيار على كل المستويات ولم ينج منه المستوى الأخلاقي لأفراد الطبقة السياسية. 

نعم، الانهيار هو فرصة لتمرير التوريث، ذاك أن اللبنانيين منهكون وطاقتهم على المحاسبة هي في أدنى مستوياتها. وخطاب التوريث بلغ من التفاهة والركاكة مستوى لا يمكن ابتلاعه إلا من قبل جماعة تعيش في غرفة الإنعاش ولا قدرة لها على الرفض والتحفظ!

ميشال المر وريث إلياس الذي بدوره وريث ميشال الأب، شاب يصعب الخروج به إلى الشأن العام في ظروف أخرى! هذا تماماً ما دفعنا إلى التساؤل عن لحظة التوريث المناسبة هذه. فما الذي أشعر إلياس المر أن الشروط مناسبة لدفع هذا الشاب إلى واجهة التمثيل السياسي؟ ولماذا يواصل حزب الكتائب ترشيح نديم بشير الجميل رغم العثرات العديدة والواضحة التي نجمت عن عدم صلاحه للمهمة؟ 

الجواب الوحيد هو شعور الطبقة السياسية أن سقف الشروط منخفض أكثر من أي وقت آخر. "ما لم نورثهم الآن، فلن نتمكن من فعلها لاحقاً"! الناس جوعى ولا ماء ولا كهرباء ولا تعليم. لا أحد يملك ترف الرفض أو التحفظ، والأبناء الورثة وهم ما هم عليه من عياء وقصور، لن تتاح لهم فرصة مناسبة أكثر.

النظام بكل أركانه لا يشعر بهول ما أصاب اللبنانيين في السنوات الثلاث الفائتة. هو يعرف أنه المسؤول عما جرى، ويعرف أن البئر نضب وأن السرقة بلغت ذروتها، ولم يعد من ثروات بمتناوله، لكنه يواصل البحث عن فريسة جديدة، والفريسة هذه المرة هي مستقبل اللبنانيين، بعد أن سرق ماضيهم وحاضرهم. عليه أن يعد الأبناء ليواصلوا مسيرة الآباء. 

جبران باسيل هو الوريث الأكبر في لبنان، ومهمته أن يواصل المهمة التي انتدبها إليه عمه، وآلية التوريث سيتولاها حزب الله الذي تعهد للصهر بأن يوصله إلى الرئاسة، هذا في وقت بدأت تلوح بشائر توريث مواز، فصحيح أن رئيس مجلس النواب نبيه بري لم يرشح ابناً له إلى النيابة، لكن كلاماً كثيراً عن أن التغييرات التي شهدتها لائحة حركة أمل سببها حجز مقاعد لمقربين من نجل بري من زوجته رندا، أي باسل الذي يعرفه الجميع بوصفه الوريث الأقوى من بين أبناء رئيس البرلمان.

أما وليد جنبلاط، فلم يوارب وقدم تيمور لنا بوصفه "الزعيم"، رغم الصعوبات التي يواجهها الشاب وعلى رغم تعثره المتواصل بالمهمة التي انتدبته إليها العائلة منذ قرون طويلة.

تغني اللبنانيين بأن ظاهرة الرئيس السابق تكاد تقتصر على بلدهم في المشرق لا يلحظ أن الظاهرة في لبنان أشد كثافة من أي بلد في هذا المشرق البائس.

ضابط الشرطة يريد ابنه وريثاً، وكاتب العدل، والقاضي وربما أستاذ الجامعة. لكننا هذه المرة أمام صفاقة في التوريث تفوق سابقاتها، وهذا ناجم عن شعور لدى الطبقة السياسية بأن القدرة على المحاسبة منعدمة، وأن إهانة الناس أمر متاح ولا أثمان له.

جولة صغيرة على فيديوات الأبناء الورثة ستشعرنا بمقدار الإهانة. صورة إلياس المر الوريث محاطاً بالـ"بادي غاردز" مهينة فعلاً لكل اللبنانيين، ومجد بطرس حرب لم يجد غضاضة في مواجهتنا بأنه وريث خيار سياسي "عريق"، هو الذي رافق والده عندما كان وزيراً للاتصالات إلى السويد في رحلة استجمام نظمتها لهما متعهدة الاتصالات في لبنان شركة إركسون.

وهنا علينا ألا ننسى آخر الورثة الكبار، ممن حرمته السعودية من فرصة الترشح، أي سعد الحريري، فالرجل قرر، وبما أنه لا يستطيع مقاومة المنع السعودي، أن يقفل باب الانتخابات في وجه الطائفة التي يمثلها.

من يترشح يكون قد خرج من الطائفة! كيف لا وهو الذي يشعر أن الطائفة والمناصب والمواقع حق له ورثه عن أبيه الشهيد، وهو تصرف به على نحو ما يتصرف الورثة.

بددها كما بددنا ثروات أهلنا، مع فارق أنه بدد معها ودائع اللبنانيين ومدخراتهم، في وقت اقتصرت خسائر تبديدنا على أنفسنا.

إنهم الورثة، وسيصيبنا معهم أسوأ مما أصابنا مع آبائهم.       

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.