دخل الطراد "موسكفا" الخدمة في 1983 خلال عهد الاتحاد السوفييتي
دخل الطراد "موسكفا" الخدمة في 1983 خلال عهد الاتحاد السوفييتي

سجل هذا الأسبوع أكبر خسارة بحرية في القرن الحديث ومع غرق قاذفة الصواريخ العملاقة البحرية والسفينة الروسية ”موسكفا“ في مياه البحر الأسود وكرمز آخر لتخبط موسكو في حرب دخلها فلاديمير بوتين وغير قادر على الخروج منها.

غرق موسكفا قبل أن تصل ميناء سيفتسبول في جزيرة القرم، وبعد انفجار وحريق على متنها ليل الأربعاء، يلخص صورة الحرب في أوكرانيا وهي تقترب من الشهرين من دون أن تكون استولت روسيا على مدينة رئيسية أو حسمت معركة كبرى ضد جيش هو أقل عديد بثلاثة أضعاف منها. 

فالسفينة التي يبلغ طولها ١٨٦ مترا وهي في الخدمة منذ ١٩٨٣ يشكل غرقها أكبر خسارة بحرية لروسيا منذ ١٩٠٥ ومعركة تسوشيما ضد الإمبراطورية اليابانية يومها. 

وغرق السفينة المزودة بـ 16 صاروخا مضادا للسفن من طراز بازلت فولكان وصواريخ فورت ونسخة بحرية من صواريخ إس-300 ، إنما هو صفعة للآلة العسكرية الروسية التي تتناثر قطعها وحطامها في مدن أوكرانيا ودخانها فوق البحر الأسود.

أوكرانيا تقول أنها استهدفت السفينة بصاروخين من طراز نبتون انما لا معلومات كافية لتأكيد ذلك. هذا لا يقلل من وطأة الخسارة مهما كان السبب، وروسيا المحرجة داخليا ودوليا ترد ليل الخميس بضرب مدن أوكرانية بشكل عشوائي من دون أن تتقدم على الأرض.

اليوم دول شرق أوروبا من تنظر الى خسائر بوتين في الحرب وتساقط طائرات الميغ والسوخوي وتحطم دبابات ال“تي-٩٠“ وتسأل نفسها ما جدوى الآلة العسكرية الروسية وما فائدة عقود الدفاع مع روسيا واستحواذ تكنولوجيا غير قادرة على التصدي لطائرة من دون طيار تركية بتكنولوجيا كندية.

سلوفاكيا هي أول الدول التي وردت آلاتها السوفياتية الى أوكرانيا ومنظومة الأس-٣٠٠ مقابل مفاوضات مع واشنطن منحتها نظام الباتريوت. الخطوة الثانية قد تكون ارسال طائرات الميغ من سلوفاكيا الى أوكرانيا مقابل تكنولوجيا أحدث من واشنطن. 

الهند هي الدولة الثانية التي تجري مفاوضات معمقة مع واشنطن  حول ترسانتها الدفاعية والتي معظمها سوفياتي. وزير الدفاع راجناث سينغ استكمل زيارة محورية لواشنطن هذا الأسبوع ركزت على اعادة صوغ الترسانة الدفاعية لنيو دلهي والتقليل من اعتمادها على روسيا وما قد يستمر عقود نظرا للعلاقة الطويلة بين الهند والكرملين. 

اليوم، حرب أوكرانيا تطرح أسئلة في عواصم عدة بعضها حليف لبوتين عن مدى كفاءة الجيش الروسي والقوة العسكرية الروسية. فإذا كانت سوريا ضخمت القوة الروسية، فإن أوكرانيا حجمتها وبشكل سيكون من الصعب العودة عنه. دول المنطقة التي كانت تهرول باتجاه موسكو لتوقيع عقد لطائرات سوخوي أو نظام أس-٤٠٠ ترى بعضها يتصل بواشنطن ليسأل عن طائرة الأف-١٥ وعن الصواريخ الأميركية التي برهنت تفوقها الدفاعي على الساحة العالمية اليوم. 

فبين غرق موسكفا وتدمير سفينة أخرى في ميناء بيرديانسك  والانسحاب من كييف واستبدال قائد المعركة في أوكرانيا واختفاء وزير الدفاع الروسي سيرجي شويغو، كيف يمكن لبوتين أن يزعم الفوز؟ أي فوز وسفنه ودباباته تحترق من دون أن يستولي على مدينة محورية واحدة.

حرب بوتين في أوكرانيا ما زالت في بدايتها وفصل الربيع سيزيد من حرارة المعارك خصوصا في الشرق من دون أن يعني نجاح روسيا. فأوكرانيا ليست على وشك الاستسلام، وغرق موسكفا إنما هو نصر لجيش لا يعترف بوتين بشرعيته انما يكتشف اليوم قدرته على إذلال روسيا وجعل سفنها ركاما في قعر البحر الأسود. 

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.