French President and liberal party La Republique en Marche (LREM) candidate for re-election Emmanuel Macron blows a kiss as he…
لا شك أن هذه الانتخابات الرئاسية تتجاوز نطاقها المحلي الفرنسي

... وأخيرا، يمكننا القول من الآن، وقبل حلول مساء الأحد المقبل، المصادف لتاريخ 24 أبريل 2022، أن إيمانويل ماكرون حقق حلمه بالبقاء في قصر الإليزيه لولاية ثانية. هكذا سيستمر رئيسا لفرنسا ليكمل عقدا من السنوات، حيث لن يغادره قبل ربيع 2027. هو الذي لم يخف مرة أمنيته في ما لو عاد العمل بولاية لفترة سبعة أعوام، بدل تقليصها لخمسة أعوام. وهنا يلتقي مع منافسته مارين لوبين، التي تقول إنه في مدة السبع سنوات كان بإمكان الرئاسة أن تستعيد "هيبتها" الوظيفية، وتسهل قدرتها على تنفيذ برنامج عمل طويل، مع تجنب "مخاطر حملة رئاسية دائمة"- كما سمَّتْها. علما أن رئيس الجمهورية الفرنسية ينتخب لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط.

غير أن طموح زعيمة حزب التجمع الوطني (الجبهة الوطنية) مارين لوبين في أن تكون أول امرأة تجلس فوق "عرش فرنسا"، هو حلم بلا حدود، وقد علقت على تصريح لإيمانويل ماكرون، مقتبسة من الموناليزا نصف ابتسامة، هي ما بين الغموض والدعابة الجادة: "سينتهي به الأمر (ماكرون) بالتصويت لمارين لوبين بالقوة.. بقيت بضعة أيام، أنت لا تعرف أبدًا".!

لقد أفرزت نتائج الدور الأول مشهدا سياسيا مقسما، في ثلاثية توزعت بين اليسار الراديكالي، واليمين المتطرف، والوسط اليميني. وتمكن الرئيس المنتهية ولايته (الثامن في الجمهورية الخامسة)، من التفوق على المرشحين الأحد عشر الذين نافسوه في هذا الدور من الانتخابات الرئاسية، بمن فيهم مرشحو الأحزاب الكبرى والعريقة، التي كان يحسب لها ألف حساب في المعترك السياسي الفرنسي، لكنها خلال هذا الاستحقاق الانتخابي عاشت أكبر إخفاقاتها المزعجة، التي لن يصدقها حتى الموتى لو عادوا. إذ لم يستطع الحزب الاشتراكي إقناع الناخبين الفرنسيين للتصويت لعمدة العاصمة باريس، مرشحته آن هيدالغو، أما الحزب الشيوعي فقد حصد نتيجة قاسية مع مرشحه فابيان روسيل، الذي أراد إحياء شعلة الشيوعية في فرنسا، غير أن هبوب الرياح دفعت باتجاهها ناحية ما لا تشتهيه شراع سفينة الصحافي السابق في جريدة "لومانتيه" ورفاقه.

أما مرشحة حزب اليمين التقليدي، فاليري بريكس فقد باءت بالفشل الذريع، (أقل من 5%)، لتساهم في ترتيب حزبها، "الجمهوريون"، إلى جانب الحزب الاشتراكي، ضمن خانة أدنى الدرجات المتدنية في تاريخ الحزبين في الانتخابات الرئاسية الفرنسية. سابقة لم تسجل من قبل، حسب العديد من المراقبين السياسيين.

بعد إعلان نتائج الدور الأول تساءل المفكر اليساري توماس جينولي، عن تفسير هذا المسار الانتخابي؟ وعن هذا السيناريو غير المتوقع الذي لم يكن واردا قبل عشر سنوات؟ لكن هذا ما حدث. إذ يعترف جينولي بكون "الحزبين الرئيسيين في الحياة السياسية منذ حوالي نصف قرن بفرنسا، يوجودان الآن في نفس اللحظة بالحضيض".

بصدد هذا التقزيم الصادم للحزبين الرئيسيين في الحياة السياسية بفرنسا، وتحولهما بين ليلة وضحاها إلى تصنيف الأحزاب الصغرى. وهو في طريقه إلى جولة ثانية ضد مارين لوبين، صرح ماكرون، وبتبجح، لا يخلو من تَشَفٍّ، أن هذه النتيجة الصعبة للاشتراكيين وللجمهوريين "ليست من مسؤوليتي، إنها اختيار الناخبين".

لا شك أن هذه الانتخابات الرئاسية تتجاوز نطاقها المحلي الفرنسي، لذلك فأنظار الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية تتجه اليوم نحو باريس، مع تساؤل عريض، حول تجديد الثقة في  ماكرون، وبالتالي بقاء فرنسا كشريك حيوي ضد روسيا وبوتين، أم ستصعد المرشحة القومية اليمينية المتطرفة مارين لوبين، لتوقف التعاون وتلغي المساعدات إلى أوكرانيا، وتفك الارتباط بمجرد تجاوزها عتبة قصر الإليزيه؟ هذا ما يحلم بها قادة الكرملين، أي فوز المرشحة المناهضة للنظام العالمي، التي اقترحت انسحاب الدولة الفرنسية من قيادة حلف الناتو وبناء تحالفات جديدة. 

في حين أن أنظار كل من المرشحين للدور الثاني، ماكرون ولوبين، معلقة جهة اليسار، من أجل إقناع الفرنسيين الذين منحوا أصواتهم في الجولة الأولى لجان لوك ميلنشون زعيم حزب "فرنسا الأبية" (22%‎)، وإلى من انتخبوا مرشحي اليسار الآخرين، (الحزب الاشتراكي، الحزب الشيوعي، حزب الخضر). بعد أن صار سهلا امتطاء اليسار، وقد ساهم انقسامه في تعبيد الطريق أمام صعود اليمين المتطرف، وكان باستطاعة ميلنشون تصدر النتائج، لو لم يحدث كل هذا التفكك والتشرذم لدى القوى اليسارية.

لكن يبدو أن صعود مارين لوبين يتطلب معجزة لا تلوح في الأفق القريب، وليس من السهل تحقيقها، إذ بات استمرار ماكرون رئيسا لفرنسا لولاية ثانية واقعا مضمونا. ومنذ مساء العاشر من أبريل الجاري، الذي طلعت فيه نتيجة الدور الأول، شرع ماكرون وفريقه في الاستعداد لمهام الخمس سنوات المقبلة. وما ساعده في ترجمة حلمه هذا، هو ما نزل من انتشار وباء كورونا، وما حل بأوكرانيا من كارثة الحرب. إن "مصائب قوم عند قوم فوائد"، وفقا لما قاله أبو الطيب المتنبي. والمزاج العام للناس في وقت الشدائد والأزمات غالبا ما يركن إلى الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والأمني والسياسي، وتأجيل طموحات الإصلاح والتغيير إلى حين.

لذلك سيركز ماكرون في ولايته الثانية على العناية بترميم صورته المخدوشة، الترميم الذي يتيح له "الخلود في التاريخ"، كما يصبو هو إلى ذلك، عبر تركيز صورة القائد الجذاب والرمزي، متجاوزا تحرش خصومه المستفزين، الذين لم يروا في ماكرون سوى "رئيس شركة استشارية"، أكثر من كونه قائدا جديرا بحكم دولة تمثل القوة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي، فرنسا العضو في مجلس الأمن بالأمم المتحدة.

خلال الولاية الأولى، لم يأْلُ الرئيس إيمانويل ماكرون جهدا في محاولات إبهار مواطنيه الفرنسيين أولا، ثم العالم، بذكائه وبموهبته "الاستثنائية"، ورؤيته الاستراتيجية وتحليلاته التي "يصيغها ببلاغة ودقة". إلا أن بعض المحللين الفرنسيين، في مطالعاتهم لسجله، بعد خمس سنوات في المنصب، خلصوا إلى أنه لم يرق إلى مستوى الطموحات المنتظرة، أو التي خطط لها زعيم "الجمهورية إلى الأمام!"، وكما ينبغي لقائد يعتبره أنصاره كقائد بارز وأساسي، ويصنفونه ضمن صناع القرار الفرنسي والأوروبي.. 

 ويضيف المنتقدون أن النهج السياسي لأصغر رئيس في تاريخ فرنسا، نهج مزاجي، يتسم بكثير من التقلب والتسرع، حيث يسعى ماكرون دائمًا أن يكون أول من يبادر، وأن عهده عرف استمرار عجز فرنسا في عدد من المجالات الدولية المتصلة بالدبلوماسية والأمن. في مقدمتها فشله في إقناع الحليف الرئيسي الولايات المتحدة الأميركية بالعمل مع فرنسا في القضايا الحاسمة، كالاتفاق النووي الإيراني، وسياسة المناخ، والتجارة الدولية، ومواجهة جائحة كوفيد - 19. ويستمر هؤلاء المعارضون للرئيس في الافتراض، أنه لو سلمنا بما ينسب إلى ماكرون من فضل في خطة التعافي الأوروبية في أعقاب الأزمة الصحية، فقد ووجه بالتهميش في عدد من القضايا التي حاول التدخل فيها، منها وقف إطلاق النار في ناغورنو كاراباخ، والوصول إلى إنشاء حكومة في لبنان، بعد انفجار مرفأ بيروت، ودعم اليونان ضد تركيا.

عند قراءة حصيلة الرئيس ماكرون في الخمس سنوات الأخيرة، في الشرق الأوسط وفي المغرب العربي وأفريقيا، ينتهي أغلب المحللين إلى إخفاقه بهذا المجال، بل إن أحدهم لم يتردد بالجهر معلنا "لقد انتهى المطاف بماكرون إلى الظهور كزعيم يلوح بسيف خشبي".

أما الصحفي الفرنسي الشهير جورج مالبرونو، فوصف الأداء السياسي لإيمانويل ماكرون بـ"الصادم والوحشي، الذي لا ينتج عنه سوى القليل من النتائج". وذلك في كتاب صدر هذه السنة، ألفه بالاشتراك مع زميله كريستيان شيسنو، هو في الحقيقة تحقيقٌ مهني ضافٍ عن "فشل إيمانويل ماكرون في إعادة فرنسا إلى مركز رقعة الشطرنج في الشرق الأوسط والمغرب الكبير. تراجع مريع لم يستطع إيمانويل ماكرون إيقافه أو الحد منه".

لا ريب، أن الولاية الثانية لماكرون، ستكشف عما إذا كانت قيادته ستقاوم الاضطراب وتستدرك التراجعات، أم انها ستؤكد العنوان اللاذع الذي اختاره الصحفيان مالبرونو وشيسنو لكتابهما (الصادر حديثا عن منشورات "لافون")، "الانحدار الفرنسي". LE DÉCLASSEMENT  FRANÇAIS. ليبقى جاك شيراك آخر الرؤساء الكبار الذين تولوا حكم فرنسا، بعد شارل ديغول وفرنسوا ميتران.

أما من جاء بعد هؤلاء، فواحد نهب أموال القذافي ثم أمر باغتياله، لينتهي مدانا من طرف القضاء الفرنسي بتهمة الفساد واستغلال النفوذ..

والثاني قضى أوقاتا طويلة في التسلي بغرامياته، إذ حققت صورته وهو يتسلل ليلا صوب مسكن عشيقته ممتطيا دراجة نارية وعلى رأسه خوذة، نسبة عالية من المشاهدات والتعليقات الساخرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وكانت أشهر صوره التي خلفها وراءه بعد خمس سنوات من إقامته بقصر الإليزيه. وقد اعترف على نفسه لاحقا، في كتابه الذي نشره تحت عنوان "نهاية التكوين"، دوَّن فيه بعض الأخطاء التي ارتكبها كرئيس للجمهورية.  

 وأتى بعدهما الباحث عن بطولة وهمية بين خرائب انفجار مرفأ بيروت وكوارث الحروب المدمرة، من الشرق الأوسط وأفريقيا وصولا إلى أوكرانيا. ففي كثير من خطبه وأحاديثه، يعمد ماكرون لإثارة الكلام عن قيمة ومفهوم "البطولة"، ومنذ ولايته الأولى انتبه المتتبعون إلى كثرة ترديده واستخدمه لكلمة "بطل"، إذ ينثرها في سطور خطاباته، دون أن ينسى تأثيت أحاديثه ومداخلاته بها. كما حدث أثناء مراسم تشييع الجنود الفرنسيين الذين لقوا حتفهم في مالي في 2021.

لا تقتصر البطولة لدى رئيس الدولة إيمانويل ماكرون على الجنود فقط، بل إن مواطنين فرنسيين غيرهم يستحقونها كذلك، منهم المواطن الذي مات عرضا وهو يقاوم ألسنة النيران، ورجال الإطفاء الذين تدخلوا أثناء حريق كنيسة نوتردام. كل هؤلاء وغيرهم، يصنفون في نظر ماكرون ضمن صف "الأبطال".

إنه إيمانويل ماكرون، "البطل" الأكبر، عندما يقوم بتوزيع بعض من نتف بطولاته وأصداء "انتصاراته" على الآخرين... "لأن الأمة لن تكون حرة وقوية إلا إذا كان لها أبطال عليها دائما أن تثبت أنها جديرة بهم، من خلال الارتقاء إلى أوجهم، والبقاء موحدين". كما جاء في إحدى خطبه.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.