This picture taken on April 16, 2022 shows part of destroyed Russian vehicles near Gusarovka village, in Kharkiv oblast,…
استنفرت الدول الغربية من أجل أوكرانيا وسارعت لتهيئة كافة الاستعدادات

كثر الحديث مؤخراً عن انحياز الغرب وازدواجيته في وقوفه ضد اجتياح الرئيس الروسي لأوكرانيا، بأقلام عربية.

كتبت وغيري، الكثير، عن ذلك التحيز وعن أن الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان لا تتخطى حدود الدول الغربية عموماً. اشير إلى ذلك كي لا أتعرّض للمزايدة في محاولتي لفهم لماذا اختلفت ردود فعل تلك الدول تجاه غزو أوكرانيا عنه تجاه حروب البلدان العربية، وعن موانع هذه الأخيرة في أخذ زمام مصيرها بأيديها والتصرف بمسؤولية وشفافية تجاه شعوبها وتجاه بعضها البعض!؟ 

استنفرت الدول الغربية من أجل أوكرانيا وسارعت لتهيئة كافة الاستعدادات من أجل استقبال الهاربين من جحيم الحرب، مقابل رفض العديد منها استقبال اللاجئين السوريين والعرب إلى حد تركهم يغرقون في البحر أحياناً؛ فيما عدا ألمانيا التي استقبلت مليون لاجئ في فترة تولي ميركل السلطة ما جعلها تتعرض للانتقادات. ومعظمنا يدين أوباما، الحائز على نوبل للسلام!! عندما ابتلع خطوطه الحمر، وتفرج على المجازر في سوريا وهدمها، كرمى عيون الاتفاق النووي.

لكن ما لا أفهمه، ولا يقال، يتعلق بمواقف بعض المسؤولين العرب في تصريحاتهم التي قارنت معاملة تلك الدول للاجئين العرب والأوكران وأدانتها منتقدة ازدواجيتهم والتمييز في المعاملة الانسانية!!

فهل يحق لمسؤول عربي انتقاد الدول الغربية على عدم استقبالها "أشقاءه" اللاجئين في وقت أن بلاده نفسها لم تفتح أبوابها أو تتعامل معهم بأفضل مما فعلت تلك الدول؟  

هل نسأل أنفسنا، لماذا يركب آلاف العرب سفن الموت في المتوسط هرباً من جحيم بلادهم التي لا توفر لهم العيش بكرامة؟ ولماذا لا يفكر اللاجئ العربي أصلاً باللجوء إلى بلد شقيق؟ ثم هل أبدت تلك الدول استعدادها لاستقباله أو قبلت كوتا معينة منهم كما فعل الغربيون وصولاً لكندا؟ هل استقبلوا سوى المتمولين وأصحاب رؤوس الأموال؟ فهل يجوز عندها انتقاد الدول الغربية وإعطائها الدروس؟ 

ثم هل أن اللجوء إلى أوروبا مستجد وبسبب الحروب؟ ألم تسبقه أجيال عديدة في تاريخ ممتد من الهجرة العربية إلى أوروبا مع الاثقال التي أفرزتها على الوضع الأوروبي، وليس أقلها استغلال الإسلام السياسي للمهاجرين العرب والعمليات الإرهابية الموصوفة، باسم الدين وباسم الإسلام، والتي أرّقت تلك البلدان!!

فلماذا لا يعالج المسؤول العربي وضع المواطن العربي كي لا يخاطر بالهجرة من بلاده إلى الغرب مع انه ينتقده ويهاجم سياساته وثقافته وانحلالها؟ 

جميعنا يعلم أن اللجوء السوري انحصر في لبنان وتركيا والأردن ومن ثم أوروبا. وقلة تم استقبالهم في سائر الدول العربية. إضافة الى أن البلدان المجاورة التي استقبلتهم حصلت على معظم المساعدات من المؤسسات النقدية الدولية أو الدول الغربية. 

يطرح ذلك مشكلة الفقر والبطالة وغياب الديموقراطية والتنمية في البلدان العربية والعلاقات البينية المتقلبة والحدود المقفلة وسياساتها المتعارضة وعدم تعاونها إلى حد الصراع والقطيعة أحياناً ما يعرض أمنها الوطني للخطر. 

تظل مسألة مقارنة احتلال أوكرانيا باحتلال سوريا واستنفار الغرب للدفاع عن أوكرانيا وتجاهل احتلال سوريا. هنا أيضاً مغالطات كبرى ومقارنات لا تجوز.

بوتين لم يحتل سوريا ويهدمها بقرار مفاجئ منه كما فعل مع أوكرانيا. بوتين جاء إلى سوريا بناء على طلب قاسم سليماني الإيراني الذي سبقه باحتلال سوريا، بغطاء من "الشرعية السورية" كما يعتبرها البعض. 

إن ما يجمع بين الحالتين هو شخص بوتين وآلته الحربية فقط لا غير. والصحيح أنه مرّن آلته الحربية الوحشية في سوريا، ولما لم يلق أي معارضة من أحد، لا غرب ولا عرب، استسهل تطبيقها في أوكرانيا. 

وبوتين لم ينفرد بقصف المدن السورية من طائراته، بل أن بشار الأسد و"شرعيته"، هو من استخدم البراميل المتفجرة التي ابتدعها بوتين لمهاجمة الشيشان، بعد أن تعاونا على استخدام مرفأ بيروت الذي تفجّر، لتخزين الأمونيوم لفبركة براميل موت هدمت البيوت والمشافي والمدارس والافران على رؤوس السوريين.

إيران وبوتين احتلا سوريا وهجّرا أهلها بطلب وتواطؤ من رئيسها وحكومته، وبظل صمت وارتباك عربي عميمين. وحتى الآن هناك دول عربية تعترف بشرعية الأسد وتريد إعادته الى حضن الجامعة العربية مصحوبا بإيران!! فلم العتب على الغرب؟!

في المقابل دافع الرئيس الأوكراني وشعبه عن بلدهم ووقفوا بوجهه دبابات بوتين الغازية وقاوموها!! فكيف لا تدعمه الدول الغربية التي شعرت أن التهديد طرق أبوابها؟ ولماذا لا تستقبل اللاجئين الأوكران، جيرانهم أو أشقاءهم بلغتنا، ويحملون نفس الثقافة ولا يملكون سوابق إرهابية أذاقت الدول الغربية الأمرّين؟  

فأي وجه شبه بين الوضع في أوكرانيا مع سوريا؟ جاء الى سوريا لتثبيت "شرعية" الأسد، فيما أراد قلع الشرعية الأوكرانية، بعد نعتهم "بالنازيين الجدد". الرئيس الأوكراني الذي تصفه بعض الأقلام العربية "بالمهرج"، يهودي، ويتهمه بوتين بالنازية!!

من هنا يمكن تفهم ردة فعل الأوروبيين الذين شعروا بالتهديد الجدي، بعد أن اعتقدوا أنهم تخلصوا من سياسات الاحتلال والحروب والاعتداء على سيادة الدول، مع موت هتلر النازي، إلى الأبد. 

فهموا متأخرين أنهم من سمحوا بتفلت عنف وتنمّر بوتين، الذي راهن على ضعفهم وتفككهم جراء تهاونهم وصمتهم عن سوابقه في جورجيا والشيشان واحتلاله القرم وحربه على الشعب السوري. وللأسف استفاقوا متأخرين.

دعيت مرة إلى عشاء في احدى السفارات الغربية، وأبديت رأيي حول ما يجب القيام به لحماية الشعب السوري من القصف الجهنمي: "إقامة منطقة حظر طيران". أذكر ان السفير علّق بما يشبه السخرية: لماذا لا تقوم الدول العربية بذلك؟ حينها تضايقت. مع الوقت أجد أنه رد منطقي ومناسب أمام الاعتراضات العربية على سلوك الغرب المزدوج. ألم تنقسم الدول العربية تجاه الثورة السورية؟ وهل تحركت جدياً لمنع اعتداءات بوتين، ومن خلفه الأسد وإيران؟  

إن المآثر العربية أكثر من أن تعدّ في هذا المجال الضيق. لكني سأختم بالملاحظة التي أبدتها سيدة جنوبية، وقلبها "يقطر دماً وحزناً" على الشعب الأوكراني!! قالت محدثتي مشفقة: يتبين أن زيلينسكي أميركي، ما كان عليه الوقوف بوجه بوتين، ماذا استفاد من تدمير بلده؟ لماذا لا يقبل بالحياد ويسلم لبوتين بمطالبه؟  

أجبتها، إذا أزحنا جانباً شيطنة أميركا ومساواتكم الإمبريالية بالنازية لتحميلها وزر تدمير بوتين لأوكرانيا!! هل أن مطالب موسكو من أوكرانيا واضحة ومعروفة؟ أم أنها تتغير كل يوم؟ هل تعين أنك تطلبين من دولة أوكرانيا الاستسلام أمام جيش غاز جاء ليحتلها بالقوة؟ ماذا لو سألتك لماذا لم يستسلم لبنان ويقبل بالاحتلال الإسرائيلي للبنان كي يتجنب الدمار الذي لحق به؟ لماذا يقاوم الشعب الفلسطيني الاحتلال حتى الان؟  

غريب فكرة أن أحدهم يدين من يساعد بلداً في الدفاع عن نفسه في الوقت الذي ينتقده فيه لأنه لم يساعد الشعب السوري أو الفلسطيني!!

على كل حال، إذا قدر أن يكون لهذه الحرب من آثار إيجابية، فستنتج عن التحدي الذي تتسبب به صعوبة محاسبة موسكو عن جرائمها، في أوكرانيا وفي سوريا والشيشان وغيرها، بسبب الفيتو الذي تتمتع به في مجلس الأمن.

ربما ستتبلور في المستقبل آليات محاسبة تمنع احتكار الدول الكبرى لفهم الحق والعدالة بحسب مصالحها الخاصة.

فكرة محاسبة بلد على حقه بالدفاع عن نفسه.

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.