كافة الأطراف السياسية الموالية و المعارضة من داخل السلطة تعاني أزمة انتخابية
كافة الأطراف السياسية الموالية و المعارضة من داخل السلطة تعاني أزمة انتخابية

واضح جدا أن الانتخابات النيابية اللبنانية المقرر إجراؤها في 15 من الشهر المقبل، لن تغير كثيرا في المشهد التمثيلي السياسي اللبناني، المحكوم بالآليات الدستورية وقانون انتخابات "مسخ" يناسب المنظومة الحاكمة ويمنحها قدرة معينة على البقاء والسيطرة على المشهد السياسي، ولكن رغم اطمئنان بعض هذه القوى إلى حجم تمثيلها، تنشغل أيضا بمحاولة تأمين تمثيل وازن لحلفائها، وحتى بعض خصومها المدجنين، وذلك لقطع الطريق على وصول مجموعة من النواب المستقلين أو المعارضين خصوصا من أجواء انتفاضة 17 تشرين إلى قبة البرلمان.

على الأرجح أن جميع الأطراف السياسية الموالية والمعارضة من داخل السلطة تعاني أزمة انتخابية، كما أن المعارضة التي انبثقت عن انتفاضة 17 تشرين تعاني مأساة كبيرة في قدرتها على فرض حضورها السياسي من دون النظر إلى إمكانية أن يصل من يمثلها إلى الندوة البرلمانية. من هنا يتضح أن جميع المشاركين في السباق الانتخابي يواجهون أزمات مختلفة، ولكن يمكن القول إن المعارضة غير المدجنة ليس لديها شيء لتخسره لذلك تنحصر الأزمة بأهل السلطة، وخصوصا الأطراف التي تتصرف كوصية على الدولة، أو تلك التي تقدم نفسها وصية على طوائفها.

أزمة فائض الوصاية هو الذي يتصرف ضمن معادلة احتكار التمثيل واحتكار الناخب، بحيث أن حصرية التمثيل تمنح حصرية امتلاك الناخب وتوجيهه، ولكن تبدو هذه المعادلة خصوصا عند الأحزاب القوية تواجه إشكالية ليس فقط مع جمهورها العام بل حتى داخل بيئتها التنظيمية، وذلك لأنها لم تستجب لأدنى مطالب كتلها التنظيمية الناخبة ولا لجمهورها العام. هذه القوى أو الأحزاب أو التيارات لم تقم بأي مراجعة لسلوكها في السلطة ولا لسلوكيات نوابها، بل إنها متمسكة بسلوكها وتدافع عنه، ولم تعط جمهورها الحق في الاعتراض على من فرضته عليه وتطلب منه إعادة انتخابه. وهذا ما بدأ ينعكس فعليا على مستوى المشاركة بالانتخابات التي تعتبرها بعض الأطراف التي تمتلك فائض وصاية بأن الانتخابات استفتاء شعبي على مشروعيتها وشرعيتها، لذلك ليست أزمتها في احتكار التمثيل شبه المضمون بل في حجم المشاركة.   

فعليا، لا تخفي المنظومة الحاكمة ذعرها من أمرين: الأول يوم الانتخابات والثاني اليوم الثاني بعدها، أي ما بعد إعلان النتائج. في الحالة الأولى هي قلقة من حجم المشاركة وانخفاضها وكيف ستؤثر على النتائج، وهذا ما يحاول حزب الله مثلا معالجته ولكن دون جدوى إلى الآن، فهو قلق من حجم المقاطعة الشيعية من جهة، وقلق على حلفائه من جهة أخرى، لأن تدني الإقبال الشيعي على المشاركة واحتمال المقاطعة السنية الضخمة يقابلها مشاركة كثيفة على المستوى المسيحي، سيتسبب بخسارة لحلفائه الذين كانوا يعتمدون بفوزهم على الناخب الشيعي أو على التحالف مع السنة فيما المشاركة المسيحية الكثيفة بالرغم من تعدد اللوائح ستؤثر على شريك الحزب المسيحي الذي أمن له غطاء وطنيا منذ اتفاق مار مخايل.

القلق الثاني ما بعد إعلان النتائج، من الواضح أن المنظومة ستحصل على الأغلبية و ستتصرف كمنتصر داخليا وخارجيا، ولكن هذا الانتصار سيفرض عليها تحمل المسؤولية واتخاذ قرارات صعبة مستقبلا، إذ لا تستطيع التملص من مسؤوليتها والقيام بما يتوجب عليها من تنازلات وتسويات ستفرض عليها البدء بعملية الإصلاحات، لذلك يمكن القول أن من يريد أن يحتكر صناديق الاقتراع عليه أن يتحمل ما في داخلها من أزمات.

عمليا إذا كانت الانتخابات التشريعية المقبلة لن تخفف من الأعباء المعيشية والاقتصادية التي يعاني منها المواطن اللبناني، ولن تحسن نتائجها من أوضاعه، فإن الأزمة المتفاقمة لا تميز ما بين موال ومعارض أو ما بين "تشريني" ومؤيد للمنظومة.

إذن، لماذا سيتحمل المواطن أعباء وتكلفة يوم الانتخابات، ليعيد منح ثقته لطبقة لا تستحقها. وبعيدا عن نتائج الانتخابات شبه المعروفة، فإن فتح صناديق الاقتراع مساء 15 أيار سيكون أشبه بفتح صندوق الأزمات لذلك يجوز السؤال أو التساؤل هل ستجري الانتخابات في موعدها؟

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.