لربما أن الرئيس الأميركي جو بايدن بالفعل هرِم، يأخذه النوم وسط الكلام، يتلعثم، يخطئ بإشاراته إلى الدول وإلى الأشخاص. بل ربما أن عيوبه تفوق كل هذا بكثير، ولا سيما منها تمكينه، سهواً أو عمداً، لابنه المضطرب أن يتورط بعلاقات تجارية ذات أبعاد سياسية في الصين وأوكرانيا وغيرهما.
واقع الأمر أن الفضاء التواصلي كما موجات البث في الولايات المتحدة تفيض بهذه الأوصاف وبما يتعداها. إذ أن انتقاد المسؤول، وإن كان في أعلى منصب سياسي، بالجد أو بالهزل، على أساس المعطيات الواضحة أو الاتهامات الجزافية، هو حق دستوري راسخ في الولايات المتحدة.
أي أن التهريج بحق بايدن ونائبته كامالا هاريس، والذي ظهر على إحدى المحطات السعودية، لا يؤذي الرئيس ولا الولايات المتحدة. ولكنه بالتأكيد ليس دليلاً على فتوح جديدة في مساحات الحرية المتاحة للمبدعين السعوديين. فقياس الحرية هنالك يكون بما يسع هؤلاء، بالهزر أو بالرصانة، أن يتفوهوا به بحق القيادة السعودية، أي الملك وولي عهده الأمير محمد بن سلمان.
وما لا شك فيه بهذا الصدد هو أن الأمير، من موقع الحاكم الفعلي، قد ضاعف من سطوة الدولة على التعبير، الذي كان مقيّداً للتوّ قبله، ليمسي معه داهساً لكل من تحتمل أقواله الاعتراض. ثمة من هو قابع اليوم في السجن بانتظار الإعدام لأنه تجرّأ أن يتمنى الوفاق بين السعودية وقطر، يوم خاض الأمير الشاب مغامرة تطويق قطر وشيطنتها. الوفاق بين الدولتين، أو ما يشبهه، قد تحقق بعد حين، غير أن وقاحة صاحب القول ساعة خرج عن الخضوع لرغبة أميره تبقى جريمة لا تغتفر.
للأمير إصلاحات في السعودية، ولكنها لا تبلغ بتاتاًً حرية التعبير. على أن ساحات التعبير في المملكة تشهد بالفعل نبضاً جديداً. الميل السابق إلى الرصانة والتحفظ والهدوء يتقلّص بل يكاد أن يتلاشى. ما قد أُطلق له العنان اليوم هو تدفق من جانب كتّاب ومفكرين في السعودية للتهجم على الولايات المتحدة، باستدعاء كافة الذخائر المتراكمة لدى جهابذة الطعن بها في المنطقة والعالم، أي اتهامات الغطرسة والجبروت والغباء والجهل والنفاق والإجرام وتحريك الإرهاب، مع التأكيد الحاسم الجازم بأن زمن نفوذها قد ولّى وأن أيامها معدودة وأنها أخطأت في التقدير في كل مرحلة.
«المشكلة ليست في المملكة، ولا في أوكرانيا، بل هي في الولايات المتحدة نفسها»، على حد قول يتكرر في مضمونه. اللافت للنظر هو أنه ثمة مسعى، في خضمّ هذا الركون إلى الطعن بالولايات المتحدة، لدى الأكثر خبرة من المعلقين السعوديين عند توجيه أصابع الاتهام لتخصيص الرئيس بايدن شخصياً وإدارته وحزبه «الديمقراطي» باللوم والإدانة، وإن تطلّب هذا التخصيص دقة تنويهية تفتقدها وسائل التواصل الاجتماعي.
ينسجم هذا التوجه مع ما يبدو وكأنه حنين في أوساط سعودية لأيام الرئيس السابق دونالد ترامپ، وربما حتى رجاء بأن تعود هذه الأيام، أو هكذا يبدو على الأقل في استقراء أبعاد المساهمة السعودية الضخمة في شركة استثمارت جديدة يترأسها صهر الرئيس السابق، رغم افتقاده الخبرة، والتي تحققت بأمر قيادي أسقط توصية القائمين على صندوق الاستثمارات العامة السعودية بعدم المضي قدماً بها.
فيما يتعدى هذا التفضيل الاستثماري وهذا التفصيل الإعلامي، فإن العلاقة بين واشنطن والرياض تمرّ بالفعل بمرحلة حرجة تتطلب الترصّد والتصويب. تعود هذه العلاقة إلى عقود طويلة من الشراكة الثابتة البناءة، والتي ضمنت خلالها الولايات المتحدة الأمن الخارجي للسعودية، من خلال النفوذ والتسليح والتدخل المباشر، في مقابل مساهمة أساسية للمملكة في ضمان الأمن الاقتصادي للولايات المتحدة والعالم، وذلك من خلال قدرتها المشهودة على تحقيق استقرار أسعار النفط، انطلاقاً من حيازتها على المخزون الاحتياطي الأول له عالمياً.
كانت هذه الشراكة قد تعرّضت لهزّة في السبعينات من القرن الماضي، إثر استعمال الملك السعودي الأسبق فيصل سلاح النفط لمناصرة مصر وسوريا، في مواجهة الدعم الفائض لإسرائيل من جانب الولايات المتحدة، ولكنها عادت وتأكدّت، بفوائد للجانبين على مدى العقود التالية.
هي شراكة، لا تحالف قائم على التوافق في القيم والمصالح، ولا على علاقات مجتمعية عميقة تتجاوز المؤسسات المعنية في الدولة. واقع الأمر أن السائد على مدى الأعوام في المجتمع والثقافة في الولايات المتحدة هو الريبة من المملكة والنفور من نظمها الرسمية والدينية. وقد يكون «أفصح» تعبير عن النظرة السلبية إزاء السعودية هو ما كرره الرئيس السابق ترامپ من ازدراء لها ولزوالها الحتمي في حال رفعت عنها المظلة الأميركية ومن إصراره على أن تقاسمه ثرواتها شرطاً لاستمرار الدعم.
ولا بد هنا من التنبيه إلى «ظاهرة» محمد بن سلمان. ليس من المبالغة القول بأن الأمير الشاب قد فاجأ الجهات الرسمية والبحثية في الولايات المتحدة إذ نقض توقعاتها الغالبة بأن السعودية في طريقها إلى الفوضى أو الانهيار لصعوبة الانتقال من صيغة التوريث الأخوي والتي قامت عليها المملكة منذ نشأتها الحديثة، إلى ما هو أكثر بقاءاً. كما أن المنحى التطويري والإقدامي للأمير الشاب بدا واعداً، بل منسجماً مع رغبة واشنطن بالتفويض، أي بتحميل أعباء قضايا المناطق لحلفاء وشركاء متقاربين في رؤيتهم معها، وعلى هذا الأساس، كان ثمة تماشٍ في واشنطن مع الحرب في اليمن في عهد الرئيس الأسبق أوباما، رغم التردد عن المجاهرة بالأمر.
عهد الرئيس السابق دونالد ترامپ، خلافاً لما قد يبدو من الرياض، لم يكن عهد التقاء وجهات النظر، بل عهد الانتقال بالشراكة من صيغة التبادل البعيد المدى، أي أمن صلب مقابل أمن اقتصادي، إلى صيغة مقايضة، أي كسب فوري مالي ومادي، للولايات المتحدة، بل للرئيس الأميركي تحديداً، انتخابياً وحتى نقدياً، مقابل دعم آني غير مشروط، وإن تطلّب الأمر مثلاً التفريط بالعلاقة بقطر وغيرها.
ترامپ لم يجترح الأساليب الملتوية طبعاً، ولكنه أفرط في استعمالها ليبدو للشريك السعودي وكأنها أساس يعتدّ عليه.
حقوق الإنسان ليست مسألة عرضية من وجهة نظر أميركية. المصالح تحكم طبعاً، ولكن مسألة الحقوق تشكّل قيداً في العلاقة مع الخارج كما في علاقة المسؤول المنتخب في الولايات المتحدة مع ناخبيه. أي أنه يمكن تقليص تأثيرها، أو المبالغة في استدعائها وفق الحاجة، غير أنها ليست «شمّاعة» أو أكذوبة. كما أن بعض الوقائع، على رمزيتها، لها أثر طويل المدى أو حتى دائم.
كان من شأن الأمير الشاب أن يكسب المجتمع الأميركي برمّته وأن ينتقل من موقع الشريك الداعي إلى الارتياب إلى موقع الصديق مشروع الحليف. غير أن قتل جمال خاشقجي، والتعامل الرديء مع القضية في أعقاب القتل، أرجعه مسافات شاسعة إلى الخلف، ربما إلى غير عودة من وجهة نظر من يرى بأن المسألة بيّنت أن محاولات التجميل قد فشلت، وأن الحقيقة القبيحة لطبيعة الحكم في السعودية قد انكشفت. ليس أن الأصوات الداعية إلى إدانة الرياض لسجلّها في حقوق الإنسان، من اعتقالات تعسفية وإعدامات بالجملة، وتضييق متواصل للمساحة الضئيلة من الحريات السياسية، قد سكتت يوماً. ولكن اعتراضاتها تكتسب المزيد من البروز ساعة يخفت الصوت الداعي إلى مراعاة التوافق في المصالح بين الجانبين.
وجهة النظر المقابلة والأقل حدة في واشنطن تقول بأن الخطأ الجسيم في قتل جمال خاشقجي لا يمكن أن يمرّ دون عواقب، ولكن دون التفريط بالشراكة التي تتجاوز كل الأشخاص، جمال خاشقجي، محمد بن سلمان، جو بايدن.
غير أن دعاة «الهبوط الهادئ» لقضية خاشقجي يواجَهون بما يقارب المناكفة من جانب الرياض، إعلامياً في المرحلة الأولى، مع انضمام مواقفها إلى جوقة الطعن بالولايات المتحدة، ثم موضوعياً، كما في قضية الاجتياح الروسي لأوكرانيا.
من حق الرياض، بل من واجبها إزاء الكلام المتكرر عن رغبة واشنطن بالتراجع عن دورها كشرطي للعالم، أن تسعى إلى الموازنة في شبكة علاقاتها وشراكاتها عالمياً لضمان المصلحة السعودية الطويلة الأمد. غير أن امتناعها عن محاورة الشريك في مسألة هي جوهر الشراكة معه، ساعة حاجة الولايات المتحدة إلى تلطيف التأزم في توفر الطاقة، يلغي منطق الشراكة من أساسه. ليس الأمر من مصلحة الولايات المتحدة ولا هو من مصلحة السعودية.
هذا الفصل المتخبط من العلاقة الأميركية السعودية يكشف عن أمرين، أحدهما عَرَضي والأخر أساسي. أما الأمر العرضي، فهو أن التسطيحات الفكرية التي تزدهر لدى «محور المقاومة» والتي ترى في الأسرة المالكة السعودية دمية تحركها واشنطن لمصالحها قد اندثرت أمام واقع الخلاف القائم. ورغم ذلك لا يبدو المحللون من أصحاب هذا المنحى على حيرة في قراءاتهم، المتبدلة دوماً والتي تحيط بكل التفاصيل دوماً، والتي تطوي صفحة تحليل الأمس دون نقد أو مراجعة لإتاحة المجال أمام التصور الفذّ الجديد. ربما أن الأمير الشاب سوف يُضاف إلى سجل المقاومين للاستكبار. الظاهر هو أن اعتمادهم هو على رغبة ترفيهية للإدانة لدى جمهورهم، لا على رؤية يحكمها التجانس.
أما الأمر الأساسي، فهو أن الواقع المتشعب الجديد، ولا سيما المواجهة المرتقبة بين الولايات المتحدة والصين، بعد أن تنتهي تلك القائمة اليوم بين الغرب وروسيا نتيجة اجتياح أوكرانيا، يتطلب بالفعل مراجعة دقيقة للعلاقات بين واشنطن والرياض. لكل من العاصمتين بدائل، دون زعم المساواة في القدرة على تحقيق الناجح الكافي منها. غير أن مصلحة كل منهما هو في استمرار هذه العلاقة وتعزيزها. بالتأكيد ليست المصلحة في التفريط بهذه العلاقة لاعتبارات خارجة عن الموضوعية. لا الرهان على «جمهوريين» قد يفاجأ السعوديون بأنهم، فيما يتعدى المحيط الانتهازي للرئيس السابق، ليسوا بعيدين في صلب قراءاتهم ومواقفهم عن «الديمقراطيين»، وأن تجربة ترامپ، وهي التي كانت ابتداءاً استنزافية، ليست مقياساً ولا نمطاً قابلاً للاستمرار. ولا الرهان الذي ساور أفكار بعض المبتكرين في واشنطن في أمس قريب بأنه ثمة سبيل إلى دفع إيران باتجاه أن تكون بديلاً عن العلاقة «المعقّدة» مع السعودية، على حد الوصف الرديء للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.
العالم في خضمّ حالة عدم استقرار غير مسبوقة منذ عقود، وهو أمر مهيأ لأن يتفاقم في المرحلة المقبلة. علاقة واشنطن بالرياض كانت إحدى الثوابت القادرة على التصدي وإن موضعياً للفوضى. ها هي اليوم بحاجة إلى عقلانية وإعادة تصويب كي لا تنتقل من الدور البناء إلى خلافه.

