بوتين يخدع الروس
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

من المؤكد أن العالم لن يعود بعد الغزو الروسي لأوكرانيا إلى ما كان عليه قبل هذا الغزو، فقد تغيرت بشكل جوهري نظرة دول الغرب إلى روسيا من قوة عظمى من الأفضل تجنب الصراع معها، إلى دولة عدوانية لا بديل عن مواجهتها حتى لا تتمادى أكثر في استفزازاتها، وقالت صحيفة واشنطن بوست إن "دول الغرب تخطط لعالم لا يتعايشون فيه مع روسيا طالما هي تحت حكم بوتين لأنه من الصعب تصور حالة من الاستقرار وبوتين يتصرف بالطريقة السابقة نفسها"، وهذا التوجه سيفتح الباب أمام محاسبة الحكومة الروسية على الكثير من جرائمها السابقة، وهذا لا يقتصر على ما فعلته في حروبها في الشيشان وجورجيا وسوريا بل سيشمل أيضا عمليات أخرى عبر العالم تعتبر روسيا مسؤولة عنها. 

ففي منتصف مارس الماضي قالت هولندا وأستراليا إنهما بدأتا إجراءات قانونية ضد روسيا في منظمة الطيران المدني الدولية باعتبارها مسؤولة عن إسقاط الطائرة الماليزية فوق شرق أوكرانيا عام 2014 بصاروخ أرض جو من نوع بوك روسي الصنع، وكان على متنها 298 شخصا قتلوا جميعا بينهم 173 هولنديا و28 أستراليا، وكان من ضمنهم مئة من كبار علماء مرض نقص المناعة "الأيدز" كانوا في طريقهم لحضور مؤتمر دولي في أستراليا. 

وبعد يوم من الحادث أعلن الرئيس الأميركي حينها باراك أوباما أن صاروخ أرض-جو انطلق من المناطق التي يسيطر عليها الانفصاليون هو ما أسقط الطائرة، وبما يتماشى مع ذلك استخدمت روسيا حق النقض الفيتو في مجلس الأمن ضد مشروع قرار يطالب بتشكيل محكمة خاصة لمحاكمة المسؤولين عن هذه الحادثة، مما دفع هولندا لتشكيل فريق تحقيق دولي خلص بعد مراجعة تسجيلات هاتفية وصور ومواد فيلمية إلى أن الصاروخ الذي أسقط الطائرة يعود إلى الكتيبة الروسية 53 المضادة للطائرات. 

وبعد ذلك رفعت بعض أسر ضحايا الطائرة دعوى قضائية ضد موسكو والرئيس بوتين أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان باعتبار ما حدث جريمة وطالبوا بتعويضات مالية، ثم أنشأت هولندا محكمة خاصة لمحاكمة الأفراد المسؤولين عن إسقاط الطائرة الماليزية غيابيا وهم ثلاثة يحملون الجنسية الروسية مع شخص رابع هو مسؤول أوكراني انفصالي موال لروسيا، وفي ديسمبر الماضي طالب الادعاء العام بإنزال عقوبة السجن مدى الحياة عليهم بتهمة قتل 298 شخصا. 

وفي قضية أخرى قال قبل بضعة أيام رئيس الحزب الحاكم في بولندا أن حادث تحطم الطائرة عام 2010 الذي أودى بحياة شقيقه التوأم ليخ كاتشينسكي الذي كان رئيس البلاد آنذاك داخل الأراضي الروسية كان عملا مدبرا من قبل عناصر من روسيا وبولندا، وأدى هذا الحادث لمقتل 96 شخصا هم الرئيس وزوجته وكبار مسؤولي الدولة المدنيين والعسكريين كانوا ذاهبين لتكريم ذكرى مذبحة "كاتيان"، وهي إعدام 22 ألف شخص من ضباط الجيش والشرطة والنخبة الاجتماعية البولندية بأمر من ستالين عام 1940، رغم انهم كانوا أسرى لدى الجيش الأحمر الذي غزا شرق بولندا وقتها بالإتفاق مع هتلر. 

وتابع رئيس الحزب الحاكم في بولندا أن لديه إجابات كاملة وموثّقة حول سبب تحطم الطائرة ووعد بالكشف عنها في القريب العاجل، ولمّح إلى أن سياسات أخيه المعارضة لموسكو كانت السبب في هذا الحادث، كما كرّرت في نفس الفترة لجنة تحقيق بولندية إتهاماتها السابقة بأن الحادثة ليست سوى خطة إغتيال نفذتها موسكو، وتنفي موسكو ذلك بشدة وتستند إلى تقريرين منفصلين أشارا إلى أن سبب الحادث هو محاولة الطائرة الهبوط وسط ضباب كثيف في مطار لم يكن يحتوي على معدات طيران متطورة، ولكن رفض روسيا إعادة حطام الطائرة إلى بولندا وقتها عقّد عمليات التحقيق البولندية وأثار الشكوك حول روسيا. 

وكذلك من الطبيعي أن يكون من بين القضايا التي سيعاد فتحها محاولة إغتيال العميل الروسي سكريبال قرب لندن في مارس 2018 باستخدام أحد غازات الأعصاب الذي جرى تطويره في روسيا تحت اسم "نوفيتشوك"، وبعد تحقيقات مكثفة ومتابعة عبر كاميرات المراقبة تم تحديد ومتابعة ثلاثة أشخاص روس من لحظة دخولهم بريطانيا وذهاب اثنين منهم إلى سالزبري مكان إقامة العميل الروسي ووضع غاز الأعصاب على الباب الخارجي لشقته حتى عودتهم السريعة ومغادرة بريطانيا. 

فنشرت الحكومة البريطانية صور ثلاثة أشخاص وقالت أنهم عناصر من المخابرات العسكرية الروسية واتهمتهم رسميا بإدخال هذه المادة السامّة إلى بريطانيا وتنفيذ هذه العملية التي أدّت إلى إصابة سكريبال وابنته بمضاعفات خطيرة تطلّبت أسابيع من المعالجة في العناية المشدّدة، ووفاة إمرأة بريطانية عثرت على زجاجة غاز الأعصاب وتعاملت معها كزجاجة عطر، وإصابة عشرات الأشخاص الآخرين بهذا الغاز، وأدانت عدة حكومات غربية "أوّل استخدام لنوع حربي من غاز الأعصاب في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية"، وطردت عشرات الدبلوماسيين الروس، بينما صرح بوريس جونسون الذي كان وزيرا للخارجية وقتها أن من المرجح بشدة أن يكون بوتين هو من أصدر أمر الهجوم على سكريبال. 

وكان معارض روسي آخر هو الكسندر ليتفينينكو قد تعرّض في لندن أيضا للتسمم بمادة البولونيوم المشعة عام 2006 مما أدّى لوفاته، وقالت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن روسيا مسؤولة عن هذه الجريمة، كما تمّ اغتيال المعارض الروسي دينيس فورونينكوف في كييف عام 2017، كما جرى تسميم الرئيس الأوكراني السابق يوشينكو بالديوكسين الصناعي مما ترك آثارا دائمة على وجهه، بحيث تراكم سجلّ طويل من اغتيال المعارضين الروس داخل وخارج روسيا منهم من وجد ميتا في غرفته أو مكتبه في ظروف غامضة، رغم أن السم هو الأداة المفضّلة عند المخابرات الروسية، ونتيجة الأعداد الكبيرة من الذين تعرّضوا لهذه الحوادث تمّ تخصيص صفحة خاصة في الويكيبيديا لقائمة الاغتيالات هذه. 

وهناك قضايا أخرى من المرجّح أن تتم إثارتها في وجه بوتين قريبا، منها إصابة عشرات الدبلوماسيين الأميركيين وعائلاتهم في مناطق متفرقة من العالم بأعراض عصبية تتضمّن صداع وفقدان السمع أو الذاكرة وغثيان ودوار بما أصطلح على تسميته متلازمة هافانا نسبة إلى عاصمة كوبا التي أصيب فيها الدبلوماسيون الأميركيون لأول مرّة بهذه الأعراض، وخلصت دراسات استمرت سنوات إلى أن هذه المتلازمة قد تكون بسبب نوع معين من الأجهزة ترسل نبضات من الطاقة الكهرومغناطيسية أو موجات من الميكروويف يتم توجيهها نحو دماغ الضحايا، ويعتقد عدد من الأشخاص داخل الحكومة الأميركية أن روسيا مسؤولة عن ذلك من دون وجود أدلة على ذلك حتى الآن. 

كذلك هناك الهاكرز الروسي والذي يعمل ضمن ما يمكن اعتباره جيشا إلكترونيا نفذ الكثير من الهجمات، ونجح خلال السنوات الماضية في اختراق هيئات حكومية أميركية وغربية حساسة، وفي عام 2018 اتهمت بريطانيا المخابرات العسكرية الروسية بأنها وراء سلسلة من الهجمات الإلكترونية بهدف تقويض الديمقراطيات الغربية من خلال نشر البلبلة في جميع المجالات، وقدّمت الإنتخابات الأميركية عام 2016 المثال الأوضح على هذا التدخّل. 

أي أن الحكومة الروسية متّهمة من قبل الكثيرين في الغرب بأنها اتبعت بشكل منهجي لسنوات طويلة وسائل وممارسات لا تتماشى مع القوانين الدولية بهدف إلحاق أكبر ضرر ممكن بالدول الغربية، بما يعني أنها بدل أن تعمل على تطوير بلدها وإسعاد شعبها واللحاق بدول الغرب المزدهرة وجدت أن من الأسهل عليها العمل على عرقلة نجاح هذه الدول لأن الهدم أسرع وأقل كلفة بكثير من البناء، ولكن قرار بوتين بغزو أوكرانيا سيمنعه من مواصلة ممارساته تلك وقد يفتح الباب أمام محاسبتة على ما قام به في الماضي.

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.