الأردن - اقتصاد- زيت زيتون
"في الأشهر الماضية لم تتوقف التصريحات المُثيرة للجدل لرؤساء الحكومات السابقين"

كل يوم يمر على الحكومات في مقر رئاسة الوزراء في الأردن تتراجع شعبيتها، ويزداد فقدان ثقة الشارع بها، وحال حكومة بشر الخصاونة بعد مضي عام ونصف ليس استثناء، أو أفضل حالا من الحكومات التي سبقتها.

حكومة الخصاونة تُحافظ على ثقة ثلث الأردنيين، هذه أهم نتيجة وردت في استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للجامعة الأردنية مؤخرا، والخلاصة ليست صادمة أو مفاجئة، والرأي السائد أن الحكومة تكاد تغيب، أو تختفي، في الأحداث المفصلية والساخنة في الأردن.

في الأسبوع الماضي، حظيت مشاركة رئيس الوزراء في أمسيات رمضان في إربد، وانضمامه لحلقات "الدبكة" لحملة انتقادات واسعة على السوشال ميديا، ولا أعتقد أن النشطاء الذين هاجموا رئيس الحكومة يعترضون على فكرة الفرح، أو أن يُمارس الرئيس حياته بشكل اعتيادي وطبيعي كالناس.

فالمقاربة التي سلطوا الضوء عليها في تعليقاتهم أن "الحكومة ترقص على جراح ومعاناة الناس"، مستذكرين غلاء الأسعار في شهر رمضان، وأعادوا إلى الأذهان الاعتقالات التي جرت بحق معارضين سياسيين وحراكيين، وتوقفوا عند ملاحظتين تزامنتا مع أمسيات إربد؛ الأولى الاعتداءات الإسرائيلية على المصلين في المسجد الأقصى والتصعيد في القدس، والأخرى سفر العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، وخضوعه لعملية جراحية. 

رغم حالة التشاؤم التي تصنعها نتائج استطلاع الرأي عن حكومة الخصاونة، وأكثرها مدعاة للقلق أن 18 في المئة من الأردنيين يعتقدون أن الأمور تسير بالاتجاه الصحيح، وأن 28 في المئة فقط متفائلون بالحكومة وأدائها، فإن الأخبار التي تأتي من "الدوار الرابع" مقر رئاسة الحكومة تشيع بأن الرئيس يجهز نفسه لإجراء "تشكيل" جديد لحكومته، أو على الأقل تعديل موسع مما يوحي للناس أن الحكومة باقية لأجل طويل، وهو ما سيسعى لأخذ الضوء الأخضر الملكي عليه، مما يقطع الطريق على شائعات رحيل الحكومة في القريب العاجل. 

أنهت اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية أعمالها منذ أشهر، والتعديلات الدستورية أُقرت، وأصبحت نافذة، وتبعها إقرار قانوني الانتخاب والأحزاب، والورشات الاقتصادية التي ينظمها الديوان الملكي تحت شعار "العبور إلى المستقبل" تقترب من إصدار خارطة طريقها وتوصياتها، والمفروض والمتوقع بعد كل هذه الورشات السياسية والاقتصادية أن تكون هناك عناوين ووجوه جديدة، وأدوات مختلفة لقيادة مرحلة التحولات في المئوية الثانية للدولة، وإلا ما قيمة هذه المخرجات إذا لم تجد طريقها للتطبيق على أرض الواقع؟

رئيس الوزراء الأسبق، سمير الرفاعي، الذي قاد اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية لم يغب عن المشهد السياسي، وما زال يُثير الجدل في تحركاته واجتماعاته، وآخرها كانت مشاركته في "إفطار رمضاني" نظمته جبهة العمل الإسلامي الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين. 

لا تخلو مشاركة الرفاعي من إشارات سياسية، فالرئيس الأسبق يقدم نفسه على أنه قادر على بناء مرحلة جديدة، تتقدم فيها مقطورة الأحزاب السياسية، بما فيهم "الإخوان المسلمين" الأكثر قوة وتنظيما، وأنه يملك القدرة على التشبيك معهم، وهذا أمر مُثير وإشكالي، فالإخوان تعرضوا في السنوات الماضية لضربات متلاحقة وتحجيم غير مسبوق، رغم الانضباط والتهذيب البالغ الذي أظهروه. 

الرفاعي لا يتوقف عن الحراك السياسي، ويطرح تصورات لمعالجات اقتصادية مختلفة عما هو سائد، وحين كُلف برئاسة لجنة تحديث المنظومة السياسية ساد انطباع أنه عائد بسرعة إلى الواجهة السياسية، وكثير من أعضاء اللجنة الذين رافقوه شرعوا في تحضير أنفسهم كوزراء في حكومته القادمة، لكن الرفاعي، ولجنته لم يسلموا من حملات ممنهجة ساد اعتقاد أن بعضها جاء من داخل الدولة العميقة، والتفسير الأهم الذي ساد هو فرملة اندفاعاته، واعتراض الطريق إلى عودته.

في الأشهر الماضية لم تتوقف التصريحات المُثيرة للجدل لرؤساء الحكومات السابقين، وجُلها حافلة بالنقد القاسي، ليس للحكومة وحدها، وإنما طالت الدولة، وسياساتها، وظهر أعضاء نادي الرؤساء وكأنهم حزب معارض، ويؤشّر ذلك إلى إقصائهم من اللعبة السياسية، وفقدان مؤسسات الدولة لقدرتها على "هضم" واحتواء رجالاتها وإبقائهم تحت مظلتها.

من صفوف رجالات الدولة الذين كانوا عصب "السستم" في البلاد تسمع خطاباً غير مألوف في نقد الدولة، وهم يرون أن البوصلة تائهة وأن الوضع السياسي والاقتصادي أكثر من مقلق، ويُقرأ كلام رئيس الوزراء الأسبق، طاهر المصري، بأن "الحكومات مستنسخة، حكومة واحدة بوجوه وأسماء مختلفة" في ذات السياق، وتأتي نتائج الاستطلاع لتؤكد أن الثقة في مؤسسات الدولة في تراجع، وتذبذب مستمر، و85 في المئة يرون أن الوضع الاقتصادي يسير في الاتجاه السلبي. 

حالة السلبية، والشعور بالإحباط تعم بالأردن، وفي مؤشر السعادة تذيّلت البلاد القائمة، وجاءت في الترتيب قبل الأخير عربيا، وهو ما دفع وزيرا ليقول لي مستنكرا، ومستهجنا: "معقول نحن أقل سعادة من دول عربية تعيش حروبا ونزاعات؟"، وبكلامه يُلقي بظلال من الشك على التقارير والمؤشرات الدولية، واللافت أن استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية، خرج بنتيجة أن 79 في المئة من الأردنيين يعتقدون أن مجتمعهم ليس سعيدا. 

لا يزال الأردنيون يثقون بدرجة عالية بجيشهم ومخابراتهم ومؤسساتهم الأمنية، ويرون أن الأردن بلد آمن ومستقر، وعلى النقيض 12 في المئة يثقون بالأحزاب السياسية، و88 في المئة يرون بأنها فاشلة في ممارسة عملها السياسي، وهو يجعل الشك حاضرا حول فرص التحول لحكومات ذات غالبية حزبية في سنوات قريبة، ويزيد من القناعات أن الأمر لا يعدو أن يكون شعارات لا تملك قدمين للمضي والمسير. 

حكومة الخصاونة تشتري الوقت في ظل احتقان وطني، يعود لتفاقم مشكلتي الفقر والبطالة وتردي خدمات الصحة والتعليم والبنى التحتية،وتعاظم الحديث عن الفساد المالي والإداري وانتشار المحسوبية، وكل ذلك أظهره الاستطلاع في إجابات الناس. 

لا تحسد الحكومة على واقعها، فالوضع الإقليمي ليس أكثر استقرارا، فالتصعيد الإسرائيلي قد يؤدي إلى فوضى وتفاقم الصراع ومسار التطبيع متسارع، ودوليا الحرب على أوكرانيا تزيد من الأعباء الاقتصادية في الأردن وتُهدد حياة الناس بمزيد من الفقر والمُعاناة، وفوق ذلك كله لا تطرح الحكومة مبادرات لتبديد حالة القلق والفضاء العام يضيق ومحاسبة الناس تتم على النوايا. 

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.