This picture taken on April 13, 2022 in Lebanon's capital Beirut shows a view of a billboard for the upcoming parliamentary…
الانتخابات تأتي وسط أزمة سياسية ومالية وبعد سنتين على انفجار المرفأ.

قاطع عراقيون "تشرينيون" الانتخابات، وشارك "تشرينيون" آخرون فيها. المقاطعة ترجمت انخفاضاً في نسب التصويت، فيما المشاركة أوصلت عدداً من النواب من خارج النظام يتراوح بين 15 و20 نائباً. وأجرى جزء من المقاطعين مراجعة خلصوا فيها إلى أن خطوتهم لا يمكن توظيفها في سياق مواجهة قوى النظام، والميليشيات المنبثقة منه!

اليوم ثمة أصوات في لبنان، تشرينية أيضاً، تدعوا إلى مقاطعة الانتخابات، بحجة أن المشاركة ستجدد الشرعية للطبقة السياسية، وأن أي خرق يمكن أن تحققه الانتخابات لاصطفاف السلطة لن يكون له قدرة على الوقوف بوجهها. 

يجب أن يبدأ نقاش أصحاب وجهة النظر هذه بالاتفاق معهم أننا حيال أسوأ سلطة يمكن أن ينتجها تاريخ من الحروب الأهلية ومن الاحتلالات ومن هيمنة قوى الشر والطائفية والمحاصصة. سلطة يمتد سوؤها من السلاح غير الشرعي إلى السطو المعلن على مدخرات المواطنين، ومن تخففها من أي التزام أخلاقي إلى مجاهرتها بالارتهان لدول خارجية. الاشتباك مع هذه السلطة من أصعب ما يمكن أن يواجهه المرء. حزب الله على استعداد للدفاع عن نظامه بالسلاح إذا ما شعر بالخطر، والتيار العوني لن يتوانى عن حرق ما يسعه حرقه، على نحو ما فعل زعيمه في حروبه الأولى عندما فر إلى السفارة الفرنسية في العام 1990، أما باقي مكونات النظام، فلها من طبائع الارتزاق والارتهان ما يخولها أن تلتحق بركب صانعيها.

هي سلطة أسوأ من نظيرتها العراقية، ذاك أن الأخيرة عندما أقدمت على قتل المتظاهرين جهاراً نهاراً استعانت في قتلها على خبرات لبنانية عبر الجيوش الإلكترونية التي تولت شيطنة الناشطين قبل قتلهم، تماماً كما تفعل اليوم عندما تستعين بخبرات الفاسدين اللبنانيين لتنهب المال العام العراقي. 

لكن هل تجدي المقاطعة أمام هذا القبح الذي نحن فيه؟ فالمشاركة مسار مشكوك بنتائجه، لكنه يقترح على ضعفاء هذا البلد خطة اشتباك غير مضمونة النتائج، أما أصحاب الدعوة للمقاطعة فلا يقترحون إلا انسحاباً سلبياً من المواجهة. وهم حين يقولون إن الشارع هو مسرح الاشتباك، ينسحبون من الشارع حالما يلوِح حسن نصرالله بالسلاح، على نحو ما فعل خلال انتفاضة تشرين من العام 2019.

الشارع اليوم يعني أن يواجه اللبنانيون سلاح حزب الله في الشارع. السلطة هي حزب الله، ولا شيء غير حزب الله. المكونات الأخرى لا تعدو كونها واجهات كرتونية للحزب. وأمام هذه الحقيقة سنكون في الشارع أمام المصير السوري في لحظة اشتعال انتفاضة السوريين في العام 2011، أي السلاح العاري من أي مهمة غير القتل. وحزب الله يرى أن النظام في سوريا نجا عبر خيار السلاح، والحزب نفسه كان له دور في هذه "النجاة الدموية" لبشار الأسد.

الدعوة للمقاطعة يجب أن تقترح مساراً لما بعد المقاطعة. وعندما تقول أن خيار الشارع هو المسار، يجب أن ترفق ذلك بخطة تشرح فيها أشكال مواجهة السلاح، إلا إذا كان رأيها أن الحزب لن يلجأ إلى السلاح، ففي هذه الحال عليها أن تُفصل أسباب "حسن نيتها" وأن تعطي أمثلة، وعندها سنكون رهن دعوتها. أما أن نقاطع الانتخابات ونبقى في منازلنا، من دون وجهة تحدد موقعنا مما يجري لنا، فهذا استنكاف ينطوي على استسلام، ونحن كنا لنقبله فيما لو أن السلطة الجائرة لم تصل إلى منازلنا وتسطو على ما فيها.

الدعوة إلى المقاطعة إذا لم ترفق بخطة مقنعة للمواجهة هي دعوة للاستسلام والقبول، أما المشاركة، على ما فيها من وهن وضعف، فهي تأسيس لمسار طويل الأمد من المواجهة، والفشل في الوصول إلى البرلمان ليس وحده النتيجة، ذاك أن الانتخابات ستكون أحد أشكال الاشتباك مع النظام، وهو اشتباك يؤسس لفرز نحتاجه. ما جرى في بلدة الصرفند حين أقدم زعران الثنائي الشيعي على الاعتداء على لائحة معارضة، كان لحظة استئناف للمواجهة، وأحدث مزيداً من الفرز، أما وصول كتلة صغيرة من النواب من خارج المنظومة الحاكمة إلى مجلس النواب، فسيكون أيضاً نواة مشروع في مواجهة طويلة المدى.

لن نتمكن من اسقاط النظام حتى لو جئنا بأغلبية نيابية. السلاح سيحمي نظامه على نحو ما فعل أكثر من مرة. وطالما أن البقاء في المنازل ليس خياراً، فلا بديل بين أيدينا سوى التأسيس لخيار طويل المدى نتمكن عبره من إحداث انشقاقات في الكتل المذهبية التي يتحصن فيها أهل النظام. أما الانقضاض على النظام فشروطه أعقد من فوز في الانتخابات، وحساباته مرتبطة بمشهد يتعدى لبنان، ويتعدانا.    

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.