قاطع عراقيون "تشرينيون" الانتخابات، وشارك "تشرينيون" آخرون فيها. المقاطعة ترجمت انخفاضاً في نسب التصويت، فيما المشاركة أوصلت عدداً من النواب من خارج النظام يتراوح بين 15 و20 نائباً. وأجرى جزء من المقاطعين مراجعة خلصوا فيها إلى أن خطوتهم لا يمكن توظيفها في سياق مواجهة قوى النظام، والميليشيات المنبثقة منه!
اليوم ثمة أصوات في لبنان، تشرينية أيضاً، تدعوا إلى مقاطعة الانتخابات، بحجة أن المشاركة ستجدد الشرعية للطبقة السياسية، وأن أي خرق يمكن أن تحققه الانتخابات لاصطفاف السلطة لن يكون له قدرة على الوقوف بوجهها.
يجب أن يبدأ نقاش أصحاب وجهة النظر هذه بالاتفاق معهم أننا حيال أسوأ سلطة يمكن أن ينتجها تاريخ من الحروب الأهلية ومن الاحتلالات ومن هيمنة قوى الشر والطائفية والمحاصصة. سلطة يمتد سوؤها من السلاح غير الشرعي إلى السطو المعلن على مدخرات المواطنين، ومن تخففها من أي التزام أخلاقي إلى مجاهرتها بالارتهان لدول خارجية. الاشتباك مع هذه السلطة من أصعب ما يمكن أن يواجهه المرء. حزب الله على استعداد للدفاع عن نظامه بالسلاح إذا ما شعر بالخطر، والتيار العوني لن يتوانى عن حرق ما يسعه حرقه، على نحو ما فعل زعيمه في حروبه الأولى عندما فر إلى السفارة الفرنسية في العام 1990، أما باقي مكونات النظام، فلها من طبائع الارتزاق والارتهان ما يخولها أن تلتحق بركب صانعيها.
هي سلطة أسوأ من نظيرتها العراقية، ذاك أن الأخيرة عندما أقدمت على قتل المتظاهرين جهاراً نهاراً استعانت في قتلها على خبرات لبنانية عبر الجيوش الإلكترونية التي تولت شيطنة الناشطين قبل قتلهم، تماماً كما تفعل اليوم عندما تستعين بخبرات الفاسدين اللبنانيين لتنهب المال العام العراقي.
لكن هل تجدي المقاطعة أمام هذا القبح الذي نحن فيه؟ فالمشاركة مسار مشكوك بنتائجه، لكنه يقترح على ضعفاء هذا البلد خطة اشتباك غير مضمونة النتائج، أما أصحاب الدعوة للمقاطعة فلا يقترحون إلا انسحاباً سلبياً من المواجهة. وهم حين يقولون إن الشارع هو مسرح الاشتباك، ينسحبون من الشارع حالما يلوِح حسن نصرالله بالسلاح، على نحو ما فعل خلال انتفاضة تشرين من العام 2019.
الشارع اليوم يعني أن يواجه اللبنانيون سلاح حزب الله في الشارع. السلطة هي حزب الله، ولا شيء غير حزب الله. المكونات الأخرى لا تعدو كونها واجهات كرتونية للحزب. وأمام هذه الحقيقة سنكون في الشارع أمام المصير السوري في لحظة اشتعال انتفاضة السوريين في العام 2011، أي السلاح العاري من أي مهمة غير القتل. وحزب الله يرى أن النظام في سوريا نجا عبر خيار السلاح، والحزب نفسه كان له دور في هذه "النجاة الدموية" لبشار الأسد.
الدعوة للمقاطعة يجب أن تقترح مساراً لما بعد المقاطعة. وعندما تقول أن خيار الشارع هو المسار، يجب أن ترفق ذلك بخطة تشرح فيها أشكال مواجهة السلاح، إلا إذا كان رأيها أن الحزب لن يلجأ إلى السلاح، ففي هذه الحال عليها أن تُفصل أسباب "حسن نيتها" وأن تعطي أمثلة، وعندها سنكون رهن دعوتها. أما أن نقاطع الانتخابات ونبقى في منازلنا، من دون وجهة تحدد موقعنا مما يجري لنا، فهذا استنكاف ينطوي على استسلام، ونحن كنا لنقبله فيما لو أن السلطة الجائرة لم تصل إلى منازلنا وتسطو على ما فيها.
الدعوة إلى المقاطعة إذا لم ترفق بخطة مقنعة للمواجهة هي دعوة للاستسلام والقبول، أما المشاركة، على ما فيها من وهن وضعف، فهي تأسيس لمسار طويل الأمد من المواجهة، والفشل في الوصول إلى البرلمان ليس وحده النتيجة، ذاك أن الانتخابات ستكون أحد أشكال الاشتباك مع النظام، وهو اشتباك يؤسس لفرز نحتاجه. ما جرى في بلدة الصرفند حين أقدم زعران الثنائي الشيعي على الاعتداء على لائحة معارضة، كان لحظة استئناف للمواجهة، وأحدث مزيداً من الفرز، أما وصول كتلة صغيرة من النواب من خارج المنظومة الحاكمة إلى مجلس النواب، فسيكون أيضاً نواة مشروع في مواجهة طويلة المدى.
لن نتمكن من اسقاط النظام حتى لو جئنا بأغلبية نيابية. السلاح سيحمي نظامه على نحو ما فعل أكثر من مرة. وطالما أن البقاء في المنازل ليس خياراً، فلا بديل بين أيدينا سوى التأسيس لخيار طويل المدى نتمكن عبره من إحداث انشقاقات في الكتل المذهبية التي يتحصن فيها أهل النظام. أما الانقضاض على النظام فشروطه أعقد من فوز في الانتخابات، وحساباته مرتبطة بمشهد يتعدى لبنان، ويتعدانا.

