President Joe Biden announces that along with the European Union and the Group of Seven countries, the U.S. will move to revoke…
بروز الدور الأميركي في النظام العالمي هو بسبب حجمها وقوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية.  

مع كل حدث دولي صغير أو كبير تكون الولايات المتحدة طرفا مباشرا أو غير مباشر فيه تزداد التكهنات والسيناريوهات التي يغلب عليها طابع التمني والوهم، بقرب سقوط الولايات المتحدة أو قرب انهيار اقتصادها أو تدهور الدولار وما شابه.

وأقول إن هذه جميعها تمنيات لأصحابها وهي من قبيل أحلام اليقظة لا أكثر ولا أقل. لماذا؟ لأنه ببساطة لا يدعم هذه التكهنات أية معطيات أو بيانات اقتصادية حقيقية.

فلكي يحدث ما يتصورون أو يتمنون يجب أن يصاب الاقتصاد الأميركي بضرر كبير وغير مسبوق يتجاوز الأزمات المعتادة، والتي عادة ما يواجهها هذا الاقتصاد بين فترة وأخرى قبل أن يقوم بتصحيح نفسه والخروج منها.

حتى الآن، فإن جميع المؤشرات تدل على أن الاقتصاد الأميركي يحافظ على قوته من ناحية الناتج المحلي الإجمالي ومن ناحية القدرة الشرائية للمواطنين ومن ناحية معدلات البطالة ومن ناحية الاستثمارات والإنتاج الصناعي، وأن التضخم الحالي وكذلك ارتفاع أسعار النفط ليسا سوى تقلبات اعتيادية، سرعان ما تستقر وأنه لا يوجد اقتصاد في العالم اليوم هو في وضعية أفضل من الاقتصاد الأميركي تسمح له بمواجهة التقلبات في الأسواق العالمية.

البعض اعتبر مثلا أن الخلاف الأميركي السعودي والحديث عن توجه الرياض لاعتماد اليوان في تعاملاتها النفطية مع الصين، مؤشرا على قرب انتهاء حقبة البترودولار، أي ربط سعر النفط بالدولار وبالتالي انهيار هذا الأخير.

والبعض اعتبر مثلا أن الحرب الروسية على أوكرانيا وما رافقها من عقوبات غربية على موسكو سوف يدفع إلى اضمحلال الدور الأميركي عالميا.

لكن ما لا يأخذه هؤلاء بعين الاعتبار هو أن جميع البدائل الأخرى عن التعامل مع الولايات المتحدة أو الدولار الأميركي هي بدائل سيئة من الناحية الاقتصادية وأيضا السياسية. 

كذلك، فإن التأثيرات التي تصيب الاقتصاد الأميركي تجد صداها مباشرة في الاقتصاد العالمي وهي تنعكس بصورة سلبية أشد على هذه الدول.. وأن أي حالة ركود أو أزمات اقتصادية في الولايات المتحدة، تجر معها الاقتصادات العالمية بما في ذلك الاقتصاد الصيني إلى أسفل. وبالتالي فإنه لا توجد مصلحة حقيقية لأية دولة في إلحاق الضرر بالاقتصاد الأميركي، لأنه لا توجد دولة أخرى قادرة على القيام بنفس الوظائف والأدوار التي تقوم بها الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي.

ما هي إذن أسباب هذه التمنيات؟ إنها أسباب تتعدد وتتنوع. فهناك تلك المتصلة بالنظرة السلبية التقليدية للسياسة الأميركية الخارجية، والتي تغذيها مشاعر الغضب مما يعتبره هؤلاء وقوفا أميركيا غير مشروع إما مع الأنظمة الحاكمة أو تجاهلا للقضايا العربية العادلة! وما يميز هذه النظرة هو طابعها الانتقامي.

وهناك أيضا النزوع التقليدي للنفس البشرية والذي يلقي فيها الإنسان بالمسؤولية عن مشاكله وعقده وأزماته على الآخرين، ولا سيما هؤلاء الذين يتربعون على القمة. وهذا ما تكشف عنه النغمة المعتادة بشأن الحاجة إلى إنشاء نظام متعدد الأقطاب وما شابه ذلك.

والواقع أن النظام العالمي الحالي هو متعدد الأقطاب بالفعل، كما يدل على ذلك النظام المتبع في مجلس الأمن الدولي وكذلك في المؤسسات الاقتصادية العالمية، لكن بروز الدور الأميركي في هذا النظام هو بسبب حجم الولايات المتحدة، وقوتها الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية.  

من الأسباب الأخرى أيضا تلك التي تتصل بعدم رضى بعض الحكومات العربية عن النهج الواقعي للسياسة الخارجية لواشنطن لا سيما في السنوات الأخيرة (وتحديدا فترة حكم أوباما والآن بايدن) والتي تميزت بما أسميه مرحلة النضج، عبر إيجاد نوع من التوازن ما بين المصالح والقيم الأميركية.

فحتى الآن كانت الولايات المتحدة تغلب المصالح المشتركة وكانت تأخذ جانب الحكومات من دون تحفظ، بل وتخوض الحروب وتشارك في النزاعات معها ونيابة عنها.

اليوم، اكتسبت الإدارات الأميركية ما يكفي من الحكمة في التعامل مع شؤون الشرق الأوسط، بحيث أصبحت تميز بين التحالف والصداقة والشراكة. إن معظم العلاقات مع حكومات المنطقة تأسست على أساس المصالح المشتركة وليس القيم المشتركة، وغالبية هذه الحكومات لا تشاطر الولايات المتحدة نفس القيم أو المبادئ. 

ولذلك فإن أي محاولة لإعطاء دور لهذه الأخيرة في سياق العلاقات ربما تسبب في اختلالها وحدوث الاضطراب بها. وهذا من أسباب بعض ما نشهده اليوم.  

والحال أن الأوهام والتمنيات بقرب انهيار الولايات المتحدة أو اضعافها أو انحسار نفوذها دوليا، هي كما رأينا خليط من مشاعر المرارة والإحباط والغضب الناجم عن السياسة الخارجية الأميركية والتغيرات التي طرأت عليها، وهي لا تقوم على أساس حقيقي أو تقييم واقعي وهذا يجعلها في الأخير مجرد تنفيس لذلك الغضب، وهو أمر مفهوم بالطبع، لكنه لن يلبث أن يهدأ (وإن لم ينته) بمجرد أن تنضج حكومات المنطقة هي الأخرى وتستوعب التغيرات الناشئة. 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.