التداوي بالأعشاب
أعشاب تستخدم في علاج بعض الأمراض في ما يسمى بالعلاج البديل

انتشرت ظاهرة ما يسمى بـ"الطب النبوي" في العقود الأخيرة، وهي تشمل في مضمونها التداوي بالأعشاب وبوسائل بدوية بسيطة وأمور أخرى مثل التداوي ببول البعير والحجامة وغيرها. وأصبحت هذه الظاهرة مصدر ربح لكثيرين ممن ينتمون للتيار الإسلامي المتشدد. فكل ما على هؤلاء هو أن يقنعوا البسطاء بأن ما سيتاولونه هو "علاج نبوي" موحى به من السماء ليشفي جميع أمراضهم. وأصبحت مبيعات "الطب النبوي" بملايين تصب في النهاية في جيوب المنتفعين من نشر هذا الفكر!

وأول سؤال يطرح نفسه هنا، هو لماذا يذهب العديد من الشيوخ للعلاج في الخارج إذا كان "الطب النبوي" فعالا لهذه الدرجة؟! ومن أشهر هؤلاء الشيخ متولي الشعراوي، الذي ذهب للعلاج في أوروبا بعد أن نهى الناس والعوام عن عمل غسيل كلى لوالديهم وتركهم يعانون حتى الموت!

أما الأمر الثاني فهو هل هناك أي دليل على أن التداوي بالأعشاب موحى به من الله؟!

لقد قال القرآن للرسول عليه السلام " قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ" (سورة الكهف آية 110) أي أنه كان مثل باقي البشر حوله يأكل مما يأكلون ويشرب مما يشربون ويتداوى بالأعشاب والحجامة مثلهم. وبمعنى آخر لو كان العلاج بإشعاعات الليزر موجود في عصر الرسول لاستخدمه مثل باقي البشر حوله. وعلينا دائما أن نتذكر أن شيئا مثل الحجامة كان يتم استخدامه أيضا من كفار قريش ومن أبي لهب وأبي جهل. فهل هو علاج نبوي أم علاج شعبوي كان يستخدمه الجميع في ذلك العصر؟ وهل استخدامه هو اقتداء بالرسول أم اقتداء بأبي لهب؟ 

والأمر الثالث الذي أود ذكره في هذا السياق، هو أن طب الأعشاب، الذي يستخدمه كثيرون له أسس علمية في كثير من الأحيان، ولكن تكون مبالغة شديدة إن قلنا أنه شفاء لكل داء، كما يتكلم البعض ويذكرون حديثا للرسول عليه السلام، يقول فيه أن "الحبة السوداء شفاء لكل داء".

فعلى سبيل المثال، فإن الحبة السوداء أو كما تسمى أيضا "حبة البركة" تحتوي على مادة عضوية تسمى "ثيموكوينون" وهي مادة ذات خصائص طبية مفيدة في مقاومة السرطان وعلاج بعض الأمراض الإلتهابية وتنشيط خلايا الكبد وغيرها من الخصائص الرائعة. ولكن ذلك لا يعني على الإطلاق أنها شفاء لكل داء كما جاء في الحديث المذكور أعلاه. فهي على سبيل المثال لا الحصر لن تعالج مريضا مصابا بانفجار شريان في المخ، ولن تداوي إنسانا ينزف نزيفا حادا بعد حادثة مروعة، ولن تعيدَ البصر لمريض مصاب بشلل تام بسبب تلف خلايا المخ.

ومن إحدى المشاكل في موضوع الطب النبوي هو محاولة منع الناس من استخدام العلاجات الطبية المعروفة، بحجة أن الأعشاب تكفي. وكما ذكرنا، فالأعشاب قد تكون مفيدة في حالات عديدة ولكن ليس من الحكمة إقحامها في كل شيء.

وجدير بالذكر هنا أن كتبا طبية حديثة بدأت تذكر بعض الوسائل الطبيعية في علاج بعض الأمراض ولكن يتم ذلك بعد عمل تجارب وبحوث عن مكوناتها العضوية وكيف تعمل.

وفي جميع الأحوال، فإن العلاج بالأعشاب لا ينبغي أن نطلق عليه طبا نبويا لأنه لم يكن بوحي من السماء ولم تنزل به آيات القرآن بل – كما ذكرنا – هو العلاج السائد في تلك العصور. وليس أدل على ذلك من أن الحبة السوداء أو "حبة البركة"، على سبيل المثال، تم استخدامها في التداوي منذ عصور المصريين القدماء، واستخدمها الرومان والعرب والإغريق والفرس قبل مولد الرسول بمئات السنين. فهل هي (أي الحبة السوداء) يا ترى طب نبوي أم روماني أم إغريقي أم فرعوني؟ 

وللحديث بقية ..

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.