أوكرانيا
أوكرانيا

تشير جميع التوقعات إلى أن العشرين يوماُ الفاصلة بين إعلان موسكو، في التاسع عشر من شهر أبريل الجاري، عن بدء المرحلة الثانية من حربها على أوكرانيا، وبين التاسع من شهر مايو القادم ستكون حاسمة ومفصلية. 

وتتزامن ذكرى احتفالها في التاسع من مايو بيوم "النصر"على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، مع إعلان "نصرها الجديد"، بعد تعديل استراتيجيتها الحربية للتركيز على إقليم دونباس وتحقيق ماوضعته من أهداف لما تسميه "العملية السكرية الخاصة" في أوكرانيا.  

فإن كانت الأسابيع الثمانية الفائتة من هذه الحرب قد تسببت بكل هذا الدمار، وشردت ما يقرب من خمسة ملايين خارج البلاد وأضعافهم في داخلها، إضافة إلى عدد غير محدد بدقة حتى الساعة من الضحايا، يمكن توقع أن تكون حصيلة العشرين يوما القادمة التي تستهدف "النصر" المشتهى، برمزيتها ودوافعها، أكثر كارثية، وكأن ماشهده الأوكرانيون حتى اليوم، كان مجرد "بروفة" للحفل الدموي الكبير الموعود، بما قد يحمله من تكهنات عن احتمال حدوث فظائع مضافة قد ترتكب.  

كثر الحديث في الأسابيع الثلاثة الفائتة عن انتهاكات للمواثيق والقوانين الدولية واحتمال ارتكاب القوات الروسية "جرائم حرب"، بل وبوشر التحقيق فيها من أصحاب الخبرة والاختصاص الدوليين بالتعاون مع سلطات كييف المكلفة بجمع وتقديم الأدلة. 

وهي اتهامات تنفيها موسكو وتعتبرها "ملفقة" و"مفبركة" و"مسرحية"، في الإشارة بشكل خاص إلى ماحدث في "بوتشا". بل إن موسكو طالبت بالمقابل بتحقيق دولي في فظائع و"جرائم حرب" تتهم القوات الأوكرانية الخاصة "المتطرفة" والقوات المسلحة معا بارتكابها، وهو أمر كان الرئيس زيلينسكي قد ألمح إليه حين اعتبر أن الأعمال العدائية والانتقامية من الجانب الأوكراني مبررة لأنها في حالة الدفاع عن النفس. 

تعتبر "جرائم الحرب" خطوطا حمراء يحسب قادة الحروب لتجاوزها ألف حساب. الاتهام بها شديد الحساسية وفوق العادي، وتتراوح بين الاستهداف المتعمد للمدنيين وانتهاك حقوق الأسرى واستعمال أسلحة محظورة دولية وتدمير البنى التحتية مثل الجسور والمشافي والمدارس والمرافق الحيوية والمراكز الأثرية والثقافية، إضافة إلى جرائم تجويع الجماعات والاغتصاب وغيرها. 

وفي واقع الأمر، فإن نظرة عامة لمعظم الحروب التي شهدتها البشرية، على الأقل منذ مائة عام وحتى اليوم، حدثت فيها كل هذه الفظائع والانتهاكات بشكل أو بآخر، أو حدث معظمها على أقل تقدير، أو تم تبرير بعضه لضرورات حربية.  

لم نر أو نسمع أو نقرأ حتى اليوم عن حرب نظيفة وأخرى غير نظيفة، إذ إن الحروب بحد ذاتها، باستثناء حالات الدفاع عن النفس وحروب التحرير الشرعية، شرٌ مطلق وإثمٌ مستمر بحق البشرية وجريمة كاملة ذات آثار مستدامة. 

وإن كانت القوانين والمواثيق الدولية المتفق عليها قد حددت قواعد الحروب الصارمة وخطوطها الحمراء التي تخضع للمحاسبة والمحاكمة حال إثباتها لاحقا، تبقى الآثار الجانبية الناشئة عن العمليات العسكرية -المسموح بها- في الحروب هي الأكثر قسوة وقتامة، بل وتكاد تعادل في توحشها تلك التي تعتبر ممنوعة ومحرمة. وهي الآثار المسكوت عنها التي تتراكم في ظل الحروب ويسدد أثمانها ملايين الضحايا من الأحياء الصامتين وليس القتلى فحسب. وترقى بأثمانها الباهظة لتصل إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية، لكنها تعتبر أثمانا مؤلمة لابد منها، لاتخضع للمحاسبة ولايتوقف سداد أثمانها مع انتهاء الحرب. 

وتتعداها لتطال مستقبل الضحايا وفي مقدمهم الأرامل والأيتام الذين سيخضعون لشروط عيش مغايرة وقاسية، وسيظلون يعانون من الاكتئاب والهلع والشعور الدائم بعدم الأمان والميل إلى العزلة أو العنف وغيرها من الأمراض النفسية المزمنة التي قد تصل إلى حد الانتحار. 

ولا يختلف الأمر مع ضحايا الإصابات الجسدية الذين قد يفقدون أطرافهم أو بعض حواسهم، وستشكل لهم إعاقاتهم الناشئة عجزا وإعاقات نفسية مستقبلية وشعورا دائما وملازما بالإذلال والانكسار، لاتعوضه الأطراف الاصطناعية ولا الرعاية الاجتماعية لهم ولا أوسمة الشجاعة التي قد يحظون بها، بعد أن تحطمت أرواحهم مع حطام أجسادهم أو ماتبقى منها.  

في الحرب على أوكرانيا، لم يعد عدد الضحايا ينحصر بالجانب الأوكراني، بل تعداه وطال البشرية جمعاء استنادا إلى التقارير الدولية التي تتحدث عن انتكاسات مهولة للاقتصاديات العالمية، وعن عشرة ملايين إنسان سيعانون من مجاعات في أفريقيا وحدها بسبب هذه الحرب، أفلا ترقى أرقام الجياع المرتقبة إلى جريمة ضد الإنسانية؟ 

هذا، إضافة إلى ملايين الضحايا غير المباشرين عبر العالم الذين يعانون منذ أعوام وأضيف إليها ماتسببت به الحرب على أوكرانيا خلال شهرين من غلاء المعيشة وارتفاع أسعار المواد الغذائية الجنوني، بحيث باتت النسبة العظمى من أعداد البشرية تقبع ليس تحت خط الفقر فقط، بل تحت كل خطوط الإذلال والفاقة والقهر الدائم. 

رؤية الأشجار التي تحترق، والحيوانات البرية والأليفة المقتولة أو المصابة، وتلوث التراب والمياه والفضاء بما تخلفه آلة الحرب من سموم طويلة الأمد، جرائم ضد الأرض لا يعيرها قادة الحروب اهتماما، بل يتهم "الرقيقون" المكترثون بمثل هذه التفاصيل الحيوية بإثارة مواضيع هامشية و"ثانوية" لأنهم لايصلحون للانخراط في الحروب التي تحتاج إلى "الشجعان" وتنتزع الإنسانية من الأرواح. 

قد يكون أسوأ ماحدث في الحرب على أوكرانيا، أن الروس أيقظوا شيطان الحروب لدى الآخرين، وفتحوا شهيتهم لسباق تسلح جديد أو الرغبة بالانضمام لتحالفات عسكرية بعد طول حياد. والمستفيد الأول والدائم مصانع السلاح في مقابل خسائر مالية خيالية يصعب تقديرها بدقة، كان نصفها على الأقل قادرا على تحسين شروط العيش فوق هذه الأرض الشقية والبائسة.   

باستثناء حروب الدفاع عن النفس وحروب التحري الشرعية، كل حرب في المحصلة هي جريمة، الجانبان خاسران فيها، مهما زيفت الانتصارات التي تبنى فوق جثث الجنود ودماء الناس. ووحدها الانتصارات الحقيقية الكبرى هي ما يصنعه دعاة السلام، وبناؤو الحضارات، وفرسان العلم وإنجازاته بمنعكساته الكونية الإيجابية.   

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.