Protesters gather in front of the "October 17 torch" near the devastated port of Beirut, during a rally to mark the second…
تعرضت بعض المجموعات الناشطة في الجنوب خصوصا عامية 17 تشرين إلى حملة شرسة

على الهاتف بعد الترحيب والسلام يسأل الرفيق "غضبان" وهو معارض جنوبي لحزب الله صديقه الجنوبي أيضا الرفيق "مستاء" عن أوضاع لوائح ما يسمى بالمعارضة بوجه الثنائي الشيعي، ويحاولان معا التدقيق بالأسماء والبرامج، فيقول "غضبان" يا رفيق: (إذا ما طالبوا بنزع سلاح الحزب علانية وبوقف التدخل الإيراني بشؤوننا، فهيدي لوايح ومرشحين مدجنين، مَنّهم قد المواجهة)، ويُضيف (ما معقول صايرين يحكوا لغة الجماعة ووصلت ببعضهم ما بجيبو سيرة السلاح)، يرد عليه الرفيق "مستاء" : (إذا يلي كنا معتبرينه أشرس واحد بيناتهم صاير يطلع على التلفزيون بلا كرافات "ربطة عنق" وأكثر من هيك مطوّل لحيته).

يستمر الجدل فيرد "غضبان" سأضيف لك من الشعر بيتا، (سمعت إنه ببعض الجلسات بالقرى الدكتور علي كان لابس خاتمين واحد عقيق والتاني حجره أسود، وأهم شي إنه حامل بجيبته مسبحة سودا بقول إجته من النجف فيها البركة)، ويستمر النقاش ويُجيب "مستاء" (بلا طول سيرة انت راقب الجماعة يلي حواليه  واحد منهم بقول لازم انراعي حساسيات الناس وهو طول عمره يقول عن حاله لاديني وفي واحد بده يدرب بعض المرشحين الشيوعيين على المفردات الدينية المتعودة تسمعها الناس ، وشو بقولوا علمانية ويسار والله جماعة االعامية متل الفخروي بديروا أذن الجرة متل ما بدهم)، وفي نهاية حديث الافتراضي يقول "غضبان"، (إذا انتخابيا ما إلهم مطرح ليش صار كل همهم التماهي مع بيئة الثنائي يا عيب الشوم، شكلو الدكتور نسي تاريخ عائلته اليسارية).

المفارقة أنهما قبل أن يُنهيا المكالمة، يسأل غضبان المهاجر صديقه "مستاء" المغترب: (متى نازل على لبنان، خلينا نلتقي لأني نازل بالصيف).

في نهاية هذا الحديث الافتراضي والمقتبس عما يتناوله بعض المعارضين لحزب الله من اتهامات ضد لوائح المعارضة في الجنوب وتحديدا الدائرة الثالثة تحت حجة سقفها المنخفض وبأنها تتجنب تسمية الأمور بأسمائها، حيث يريد هؤلاء من المعارضة في المناطق الشيعية أن تقوم بدورعجزت عنه كل الجهات الداخلية المعارضة للحزب وأطراف إقليمية وقوى دولية، بل إن بعض الأطراف الداخلية التي تُوجه سهام غضبها نحو لائحة المعارضة في الجنوب الثالثة هي نفسها تجلس مع الحزب على طاولة مجلس الوزراء منذ 2005، وأكثر من ذلك سَهلت له أكبر صفقة سياسية في تاريخ جمهورية الطائف بعدما مهدت الطريق أمام انتخاب مرشح الحزب ميشال عون رئيسا للجمهورية، وفي كل هذه التسويات غضت هذه القوى الطرف عن سلاح الحزب، بينما الآن أي عشية الانتخابات ترفع صوتها عاليا وتتصرف كأنها تملك ما يكفي من قوة لتضع حزب الله أمام خيارين، إما أن يُسلم سلاحه طوعيا وإما أن يتم نزعه، ويتصرف البعض بثقة كأنه قام بتحديد بعض النقاط في الجنوب لكي يقوم الحزب بتجميع سلاحه فيها تمهيدا لتسليمه.

ليست لائحة "معا نحو التغيير" ولا المجموعات ولا الأحزاب والقوى والشخصيات التي شاركت في تأليفها فوق النقد، وليسوا منزهين حتى نقول إنهم لم يقوموا بأخطاء، وهم عرضة للنقدحتى لو كان قاسيا فهو من حق الجميع، ولكن المستهجن أن الافتراءات والتحريض ضد اللائحة والهجوم عليها جاء ممن يعتبرون أنفسهم معارضة، فقد تعرضت بعض المجموعات الناشطة في الجنوب خصوصا عامية 17 تشرين ومجموعة "نجم" إلى حملة شرسة ركزت على المُرشح القريب منها الدكتور علي مراد، وكأن مراد وفريق العامية قاموا بخيانة أهداف انتفاضة 17 تشرين وتنكروا لشهداء 14 آذار، لكن كل تلك الجهات المستاءة من هذا اللائحة التي جمعت لأول مرة وجوها من اليسار الديمقراطي ومن الحزب الشيوعي إضافة إلى جماعة العامية بوصفها تيارا وسطيا ومجموعة نجم التي تمثل جزءا أساسيا من حِراك الجنوب ليشكلوا نواة معارضة يمكن أن تؤسس لمسار المعارضة في أصعب المناطق وأشدها حساسية في لبنان.

إذن ومن دون أي مواربة سلاح الحزب معضلة للجميع ولكن ما يجب قوله أن حصر المعركة الانتخابية في الجنوب بالشأن المعيشي فقط وعدم التطرق إلى السلاح  هو تهرب من قول الحقيقة أيضا، لكن الخطاب الفج والمباشر وعدم الانتباه للغة والمقاربة  يُعتبر إضاعة للمجهود، فهناك من يمارس مزايدة غير بريئة يريد ضرب أي فرصة ليكون هناك تمثيل جنوبي محرر من الثنائية، ومستقل عن معارضيها داخل المنظومة، لذلك يتفق الجميع على منعها من التبلور، فهناك حاجة للقبض عليها، لذلك هناك من يحاول كل ليلة القبض على علي مراد. 

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.