ماكرون تعهد بالعمل لتقوية فرنسا والاتحاد الأوروبي
ماكرون تعهد بالعمل لتقوية فرنسا والاتحاد الأوروبي

ردود فعل الولايات المتحدة وكندا والدول الأوروبية على فوز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بولاية ثانية ضد منافسته اليمينية مارين لوبان، تبين أن هذه الانتخابات التي جرت في لحظة حرجة للغاية لفرنسا وأوروبا والعالم بسبب الحرب الروسية الرهيبة في أوكرانيا، كانت استفتاء على مبادئ ورؤى تتخطى الجمهورية الفرنسية ومستقبلها لتمس بمستقبل الديمقراطية في العالم وتحديدا في الغرب بعد النكسات التي تعرضت لها في السنوات الماضية المؤسسات والقيم الديمقراطية في الولايات المتحدة ودول أوروبية مثل هنغاريا وبولندا، مع تقدم الحركات والاحزاب القومية والشوفينية المعادية للمهاجرين والتعددية في دول مثل إيطاليا وألمانيا. 

تزامن ذلك مع تراجع المؤسسات والممارسات الديمقراطية في دول هامة أخرى، مثل الهند والبرازيل والأرجنتين وغيرها من الدول التي امتنعت عن إدانة العدوان الروسي ضد أوكرانيا.

المراجعة الأولية لنتائج الانتخابات التي فاز فيها ماكرون ب 58 بالمئة من الأصوات مقابل 42 بالمئة لصالح لوبان، مع امتناع 28 بالمئة من الناخبين عن الاقتراع، تبين أن الاستقطابات السياسية في فرنسا لا تزال عميقة وربما ازدادت عمقا لأن ماكرون حصل على 66.1 بالمئة من الأصوات في انتخابات 2017 مقابل 33.9 لصالح لوبان. وتبين النتائج أن نسبة مهمة من الفرنسيين الذين صوتوا لماكرون، فعلوا ذلك بتردد ومن أجل منع لوبان من الوصول إلى الرئاسة. وهذا ما فعله الملايين من الأميركيين الذين صوتوا لصالح المرشح جو بايدن في انتخابات 2020، وذلك لمنع دونالد ترامب من الفوز بولاية ثانية. كل هذا يعني أن اليمين المتطرف والشوفيني والذي يميل إلى التمسك بالممارسات الأوتوقراطية، لا يزال قويا ومعافى ولا يمكن اعتبار هذه الانتصارات الديمقراطية على أنها حاسمة بشكل قاطع وتاريخي. 

ولكن بعد النظرة الأولية للنتائج، نرى أنها تعكس أيضا حقائق أخرى يجب الاعتراف بها وصيانتها وتطويرها، وأولها أن فرنسا رفضت المرشحة لوبان المعادية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) وللاتحاد الأوروبي، والمناوئة للولايات المتحدة والمتعاطفة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي سعت للحصول على مباركته في انتخابات 2017، معربة عن إعجابها به، وحضت الدول الأوروبية على إلغاء العقوبات التي فرضتها ضده بعد غزوه الأول لأوكرانيا في 2014. خلال تلك السنة تلقت لوبان قرضا بقيمة 10 ملايين يورو من مصرف روسي. الفرنسيون، رفضوا أيضا مارين لوبان المناوئة للمهاجرين، وتحديدا المسلمين، وتمسكوا، وإن بأكثرية بسيطة، بقيم المساواة والتعددية وغيرها من مبادئ عصر التنوير والثورة الفرنسية. 

ولو صوّت الفرنسيون لصالح مارين لوبان، لكان تصويتهم بمثابة ضربة قاضية للاتحاد الأوروبي، الذي لا يزال يعاني من آثار انسحاب بريطانيا قبل سنوات، ولكان بمثابة انتصار لفلاديمير بوتين الذي يتدخل منذ سنوات في الانتخابات الأوروبية الرئاسية والبرلمانية لصالح المرشحين اليمينيين والقوميين الذين يرون فيه حليفا قويا في عدائهم المشترك للاتحاد الأوروبي، ولحلف الناتو وللعلاقات القوية مع الولايات المتحدة، وللمهاجرين المسلمين والأفارقة. 

فوز لوبان كان سيؤثر بشكل جذري وخطير على الجبهة الموحدة للناتو وللاتحاد الأوروبي وللتنسيق مع الولايات المتحدة في توفير الدعم العسكري والاقتصادي لأوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي. فوز لوبان كان سيعتبر نكسة لمجمل السياسة التي اعتمدها الرئيس بايدن منذ انتخابه تجاه أوروبا وحلف الناتو، وهي السياسة التي أثبتت حكمتها وجدواها بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أعطى زخما لمشاعر الانعزالية والجفاء تجاه الناتو والتي كان يمثلها المرشح، ولاحقا الرئيس دونالد ترامب. فوز لوبان، كان سيوفر دعما معنويا ورمزيا لكل ما يمثله دونالد ترامب وقاعدته الشعبية من مشاعر انعزالية ومعادية للمهاجرين والأقليات ومن تعاطف مع الرئيس بوتين وسياساته تجاه أوروبا. 

وهذا يفسر إسراع قادة الولايات المتحدة وكندا وأوروبا للترحيب بفوز ماكرون بولاية ثانية، واعتباره انتصار لهذه الدول وخاصة خلال مواجهتها الراهنة مع روسيا. المستشار الألماني أولاف شولتس عبّر عن آراء العديد من الأوروبيين والأميركيين، حين قال إن فوز ماكرون هو " تصويت ثقة بأوروبا". رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون، الذي وصل إلى الحكم بسبب انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، هنأ الرئيس ماكرون، وشدد على أن فرنسا "هي من أقرب الحلفاء لنا وأهمهم". الرئيس جو بايدن سارع إلى تهنئة ماكرون، قائلا في تغريدة " فرنسا هي أقدم حليف لنا، وشريك أساسي في معالجة التحديات الدولية. وأنا أتطلع قدما لمواصلة تعاوننا الوثيق، بما في ذلك حول دعم أوكرانيا، والدفاع عن ديمقراطيتنا، ومواجهة التغيير البيئي".

وفي تطور لافت وغير اعتيادي، نشر المستشار الألماني شولتز، ورئيسي وزراء إسبانيا والبرتغال بيدرو سانشيز وأنطونيو كوستا مقالا في صحيفة لوموند الفرنسية انتقدوا فيه المرشحة مارين لوبان بقوة واتهموها "بالتآمر" ضد القوى الديمقراطية، وأعربوا عن أملهم بأن يختار الناخبون الفرنسيون "الرؤية" التي يمثلها ماكرون لفرنسا. وجاء في المقال المشترك "الدورة الثانية من الانتخابات الفرنسية ليست بالنسبة لنا انتخابا مثل الانتخابات الأخرى، لأنها خيار بين مرشح ديمقراطي يؤمن أن فرنسا تكون أقوى في اتحاد أوروبي قوى ومستقل، ومرشح يميني متطرف يقف بشكل مفتوح مع أولئك الذين يهاجمون حريتنا وديمقراطيتنا، وهي قيم جوهرية وصلتنا مباشرة من عصر التنوير الفرنسي"، وذلك في إشارة ضمنية الى تأييد لوبان للرئيس الروسي بوتين.

هزيمة المرشحة لوبان هي نكسة للرئيس بوتين، الذي يجد نفسه عاجزا بعد شهرين من غزوه المدمّر لأوكرانيا عن تحقيق انتصارات عسكرية ثابتة أو تنازلات سياسية مهمة من القيادة الاوكرانية التي فاجأته مع القوات الأوكرانية في تكبيد قواته خسائر لم يتوقعها هو وجيوشه العاجزة حتى الآن عن السيطرة على الأجواء والاراضي والمياه الأوكرانية. انتصار بوتين في أوكرانيا، يعني انتصار قوى اليمين المتطرف والشوفيني في أوروبا والعالم، ولذلك فإن هزيمته في أوكرانيا، أو على الأقل منعه من تحقيق أهدافه الرئيسية وإرغامه على التفاوض لتفادي إحراج عسكري أكبر وثمن اقتصادي أفدح، سيكون بمثابة انتصار للقوى الديمقراطية في العالم، كما رأينا في الانتخابات الرئاسية الفرنسية.   

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.