ثورة - احتجاجات - قطاع غزة - الأراضي الفلسطينية
"خلال سنوات الربيع العربي، كان هؤلاء الشبان الأكثر محافظة وولاء لحالات الاستقرار التي كانت موجودة فيما قبل"

في مختلف بلدان منطقتنا، في المؤسسات البيروقراطية وعالم الأعمال والإدارة وفضاء المجتمع المدني والمتن العام، يمكن للمتابع أن يعثر على كتلة ضخمة من الشبان الذين ينتمون إلى الطبقتين الوسطى وما فوق اقتصادياً، والعليا تعليمياً، حيث تنحصر اهتمامات الغالبية المطلقة بالشواغل الحياتية والمهنية الأكثر ضيقاً؛ وليس من أي شيء غير ذلك.

فكل ما تملكه وتنشغل وتقوم عليه هذه الكتلة الضخمة من الشبان هو مزيج مسطح من اتقان اللغات الأجنبية والعلاقات العامة الوظيفية وحسن المظهر في مجال أعمالهم وعلاقاتهم، إلى جانب حيوية وخفة في التواصل مع العالم الخارجي وأصحاب الأعمال والمدراء والساسة.

حيث أن الرؤية الأعلى لفاعليتهم تنحصر في الإصرار المستميت في الدفاع عن مصالحهم ومواقعهم المهنية والصعود بها. لكن فقط ذلك، أي دون أي نزعة سياسية أو خيارات ثقافية وروحية وأيديولوجية و"أخلاقية" وقيمية تتجاوز ذلك.

تلك الأبعاد التي تمنح شخصياتهم وأنماط حيواتهم وخياراتهم العامة وأجوائهم مستويات أكثر حساسية وعمقاً و"إنسنة"، إن جاز التعبير. 

المعضلة كامنة في أن هذه النوعية من الهوية الوظيفية/الثقافية إنما تشكل القاعدة والديناميكية والأداة الأكثر فاعلية لتكريس ما هو حاضر من توازنات ومعادلات وأنواع السلطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية حيث يعيش هؤلاء.

لأن كتلتهم هي الطاقة والفاعلية الأكثر حيوية في المجال العام، وتالياً في كل لعبة الحياة من حولهم، بحكم قوتهم الرمزية ومواقعهم الوظيفية ومستحوذاتهم المادية وسلطاتهم الاجتماعية والمؤسساتية والرمزية، بذا هم الفاعل الأكبر دوراً وقدرة وميلاً لتثبيت الأشياء وعلاقات السلطة ونوعية القوة، عبر شرعنتها ومنحها الاستقرار المديد، من خلال تكريسها كـ"بداهة" مطلقة، لا يُفكر قط بتبديلها، أو حتى تعديل أو تغيير شروطها على الأقل. 

لا يعرف المرء إن كان يُستطاع استعارة مصطلح من العالم الفلسفي والقول: "إنهم الإنسان الخالي من الأبعاد الانطولوجيا"، تلك التي تمنح الإنسان صوراً ومجالات ومعاني تتجاوز أبعاده الميكانيكية المبتسرة والأدائية اليومية والحياتية المباشرة.

يمكن إيراد أمثلة لا تُعد عن الصورة العامة لهؤلاء الشبان، فهؤلاء الفاعلون الأدائيون، غير مشغولين بأي قضية سياسية مثلاً، وليس لهم رأي بالمسألة الاجتماعية، بالذات في علاقة الطبقات الأغنى والأقوى بالتي أقل منها، وطبعاً لا يشعرون بروح مؤازرة للجماعات والهويات المقموعة في بلدانهم، ونادراً ما تكون لديهم رؤية للمسألة الجندرية مثلاً، والإلمام بقضايا حقوق الإنسان بالنسبة لهم لا تتجاوز حدود البرستيج الكلامي، وغير مبالين بالشأن البيئي، وسلبيون تجاه أي دعوة للمشاركة في أي تجمع أو حملة أو قضية تخص الشأن العام، وأشياء كثيرة من مثل تلك.   

يبدو بوضوح أنه ثمة توافق مُحكم بينهم، بين الطبقة الأعلى من أرباب عملهم ومؤسساتهم ومواقعهم. 
فهؤلاء الأرباب يمنحون شبان هذه الطبقة مواقع وظيفية ومداخيل مالية امتيازية، مقارنة بالطبقات الأخرى من المجتمع، الأقل قوة والأكثر هامشية في الحياة العامة، مقابل الحصول على تخليهم عن جوانبهم وخياراتهم الإنسانية الأكثر عمقاً، عبر ما يمارسونه من كبت ذاتي عليها.

خلال سنوات الربيع العربي، كان هؤلاء الشبان الأكثر محافظة وولاء لحالات الاستقرار التي كانت موجودة فيما قبل، والأشد رفضاً للهبات الجماهيرية. فبالنسبة لهم، كان الركود العمومي في مختلف البلدان، أياً كانت فداحة شرطه السياسي والأمني، كانت مفضلة بالنسبة لهم، لأنها كانت تضعهم في رأس السلم الاجتماعي، الاقتصادي والعقاري والترفيهي على الأقل، تلك الأمور التي هي كل شيء بالنسبة لهم. 

إذ ثمة نوعان من الحساسية العقلية والشعورية، يبدو هؤلاء الشُبان وكأنهم افتقدوها تماماً: من طرفٍ مداركهم وآليات تفكيرهم النقدية، وتالياً قدرتهم على التفكير بأنه ثمة عوالم وظروف أخرى يُستطاع تحقيقها، وإن بشيء غير قليل من البذل. 

الحساسية الثانية تتعلق بالروح الجمعية، فهذه الطبقة من الفاعلين تكاد أن تكون غارقة تماماً في الفردانية، تؤمن بأن "الخلاص" الحياتي هو قضية فردية فحسب، وأن الجماعات على مختلف أشكالها إنما ثُقل لا يُحتمل. 

في المشهد الكلي، يبدو ذلك وكأنه ظاهرة عالمية عمومية، متأتية من تراكم عمليات إعادة هيكلة الاقتصاديات مختلف بلدان العالم لتكون شديدة الرأسمالية، والحياة العامة داخلها لتكون أكثر ليبرالية. لكنها ظاهرة مضاعفة تماماً في بلداننا، لثلاثة أسباب مركبة. 

فهؤلاء الشبان يبدون وكأنهم يمارسون ثأراً ضمنياً من عقود القوى السياسية الجماهيرية التحشيدية الشعبوية التي حكمت بلداننا لعقود طويلة، تلك التي أغرقت مجتمعاتنا بفيض من الشعارات وأشكال التنظيم والجمهرة، التي كانت تقتلع النوازع والحق بالفردية والتمايز عن الجماعة وخلق مجال خاص للحياة الشخصية.

فالشأن العام والقضايا العمومية في المخيلة العامة لهؤلاء الشبان هي تلك الفضاءات المريعية التي عاشوا خلال سنوات سابقة من أعمارهم، أو لاحظوا وذاقوا مرارة الكثير من أثارها. 

كذلك فإنهم النتيجة الطبيعة لإرث الاستبداد المديد في بلداننا. الذي عمد خلال سنوات كثيرة من حكمه التفصيلي لبلداننا ومجتمعاتنا على تجريم الاندراج تحت أي مسألة عمومية، ولو على المستوى العقلي والحسي الوجداني.

فالشأن العام في بلداننا هو فضاء دون آباء ومُثل وتجارب يُعتد بها، من الصحافة إلى النقابات، ومن قادة الرأي العام إلى السياسيين ورواد الحركات الثقافية، فذلك الحقل من الحياة كان صحراء قاحلة، ليس لأحد أن يُغرى به بسهولة، هذا غير ما يُمكن أن يدفعه من أثمان جراء ذلك. 

أخيراً، فإن هذه الطبقة هي النتيجة الطبيعية لانتصار الجيل الثاني والثالث من أبناء الحاكمين والحلقات الضيقة المحيطة بهم، من الأقارب والمحاسيب. فانتصار هؤلاء في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي طوال عقدين كاملين مضيا، كان انتصاراً لنوعية من القيم والنوازع والخيارات، تلك التي يُمكن اختصارها بكلمة واحدة "الوحشنة".   

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.