A man with a face mask and glove eats a hamburger on the hood of his car because the dining room is closed at a rest stop along…
الهامبرغر يعتبر من الوجبات السريعة.

من هامبرغر "أندي وارهول" إلى الفتاة الصينية التي تلتهم كل شيء.. قبل 10 سنوات تقريبا! حسناً في هذه اللحظة تحديداً أدركت أثناء كتابتي للكلمات الـ4 الأولى بأنني أستطيع وبسهولة ترتيب ذكرياتي تبعاً للعد العشري وما فوق. مرعب.

أعيد، قبل حوالي العشر سنوات، بفترة هوسي بـ"أندي وارهول"، خلال الغوص في "غوغل" عن أشياء عشوائية تخص نتاجه، صادفت فيديو مُصور عام  1982 من إخراج "يورغن ليث" مدته 4 دقائق و27 ثانية يجسد عرض أدائي لـ"وارهول" جالساً أمام طاولة سوداء، ظهره يواجه حائط مصمت، رمادي، فارغ.

مكتب ربما أو غرفة انتظار، ماهية المكان غير واضحة، لكن توحي بالتماثل الرتيب، والملل القاتل بين تشكيل الأثاث الذي هو بطبيعة الحال لوح خشب أسود فقط، يعلوه زجاجة كاتشب، وكيس ورقي أبيض مطبوع عليه "برغر كينغ".  مشهد اعتيادي، رجل يرتدي ثياب رسمية، توحي باستعمالها اليومي، قماش بتصميم رخيص يتناغم مع الطعام الشائع للجميع بأنه عبارة عن قمامة مشوية غارقة بالكثير من البهارات والزيوت المهدرجة، لكن رغماً عن ذلك تحفّز "سيلان" اللعاب إلى أقصاه لمجرد شم رائحتها، أو مشاهدة إعلان يفيض وضوحاً وفجاجة بالتعديلات التجميلية. 

يفتح "وارهول" الكيس، يخرج الهامبرغر، يهز الزجاجة مرتين ساكباً القليل من الكاتشب فوقها، يلتهمها ببطء، يمضغ بملامح متأنية، وجسد منضبط ساكن، كأنه يمارس التأمل في جزر الكناري. 

رغم طبيعية المشهد والفعل المرافق له، كحالة تناول الطعام مثلاً، إلا أن البعض أبدى شعور بعدم الارتياح سواء كان مسبب هذا الشعور الصمت المرافق للفعل أو فعل التهام بحد ذاته. حينها كانت التعليقات تتراوح بين "لماذا أنا هنا أشاهد رجلاً يأكل الهامبرغر!؟" آخر يعلّق بجدية توازي جدية احتمال صلب المسيح من جديد "الفن يحتضر حقاً وهذا الفيديو دليلٌ على ذلك" وغيرها من التعليقات الساخرة والمستهجنة غير المتقلبة لمفهوم الفيديو، بالنسبة للبعض هو عبارة عن مشهد واحد، بكاميرا مثبتة من جهة معينة لرجل يلتهم الهامبرغر، مشهد خال من أي أفعال بصرية مضافة سواء جمالية أو تقنية، دون سردية مألوفة سهلة التتبع أو غامضة توحي نتيجتها النهائية بحصول حدث غير متوقع، مقارنة بالأعمال "الفنية" الرائجة عادةً، والتي تبدو بالنسبة للجمهور أو المتلقيين صعبة التفيذ أو التقليد خاصةً للأشخاص غير العاملين في الفن، لكنها ممتعة ومسلية، أو أقلها مفهومة واعتيادية. حينها بدا الفيديو للبعض أو غالبية المعلقين "بسيط" ممل غير ممتع بصرياً بإمكان أي شخص تنفيذه مستخدماً أدوات بسيطة، ككاميرا موبايل واتصال بالإنترنت. 

ينتهي الفيديو بقول وارهول:  "My name is Andy Warhol and I just finished eating a hamburger"،  "اسمي أندي وارهول، وقد انتهيت للتو من تناول شطيرة هامبرغر". 

المثير للاهتمام، ما يجري الآن في 2022، للدقة السنوات الأخيرة من العام الحالي، التغيير الجذري والملفت في التعليقات على الفيديو ذاته، من مديح لعبقريته السابقة لعصرها، نتاجه المتنبئ حينها بما يحصل في الوقت الراهن فيما يخص صناعة تقدر بالملايين، على محتوى بصري قائم بذاته على مشاهدة أشخاص يلتهمون مختلف أنواع الأطعمة، كنوع من الترفيه. 

المفارقة بأن غاية "وارهول" من المشهد ككل كانت متشعبة، فُسرت بعدة مفاهيم، اعتبرها البعض، نقد لثقافة الاستهلاك الأميركية حينها. أو خدعة المساواة بين الأغنياء والفقراء على تناول الطعام ذاته لكن الفعل الاعتيادي ذاته يتخذ قيمة أعلى وانتباه ملحوظ عندها ينفذ من قبل شخصية عامة، معروفة ومشهورة، كـ"وارهول" مثلاً. 

يعلق أندي فيما يخص المفهوم أعلاه "الشيء العظيم هنا في أميركا، استطاعة أن يشتري أغنى المستهلكين بشكل أساسي نفس الأشياء مثل أفقرهم". "الكولا هي مشروب غازي ولا يمكن لأي مبلغ من المال أن يمنحك كولا أفضل من تلك التي يشربها المتشرد في الزاوية".

يحيل الاقتباس إلى عدة تساؤلات مختلفة الأبعاد، لكن أهمها المتعلقة بالترند الحالي: "ما الشعور المرضي برؤية الأخرين يأكلون الطعام بشراهة أمام الكاميرا؟". 

محتوى التهام الطعام الحالي بعيد قليلاً عن تشعب التهام هامبرغر "وارهول"، ينساق تحت تصنيفات مختلفة، إثارة "النشوة الدماغية" على سبيل المثال، التسمية الأدق "إيه.إس إم آر" (ASMR)،   Autonomous Sensory Meridian Response المختصر من العربية (استجابة القنوات الحسية الذاتية) نُحت المصطلح استلهاماً من التفاعل الحسي كتقنية استرخاء وما يحيل من لذة تخز كإبرٍ ناعمة في أجزاء من الدماغ نزولاً إلى العمود الفقري امتداداً إلى أطراف الأصابع، تتولد الحالة السابقة (للبعض) من مشاهدة تسجيلات بصرية أو سمعية معينة، سواء كانت السمة الأساسية للمحتوى مرتبط بتناول الطعام، مرحلة تحضيره بطريقة جمالية، وما يرافقه من أصوات، كفقاعات الغليان والطهي، أصوات التقطيع، ذوبان الزبدة فوق الجبن. وغيرها الكثير.  تمتد اللذة إلى محتوى حسي بعيد عن الطعام، كالهمس، أو الاستمتاع بسماع أصوات غريبة، جراء احتكاك أظافر طويلة فوق سطح قطعة معدنية مثلاً، أو غرز أصابع اليد في كمية هائلة من بودرة براقة. 

منصة mukbang على سبيل المثال، قائمة على تحفيز "النشوة الدماغية" أو "إيه إس إم آر" من خلال تنافس صناع محتوى التهام الطعام بشراهة وبمكيات كبيرة فيما بينهم تحفيزاً و"جذباً" لمتابعة محتواهم وتكراره مراراً إلى حد الإدمان. 

الأكثر شهرة حالياً المسماة في الفضاء السيبراني بـ"الفتاة الصينية التي تلتهم كل شيء أو أي شيء" التسمية تجسد حرفياً ما تفعله من مضغ أشياء غير اعتيادية: عناكب، يرقات، أشياء طرية شبيهة بخراطيم الفيلة وأجساد الديدان البحرية التي تنفجر منها السوائل ما إن تعض على طرف منها. 

الغريب في صناع المحتوى حفاظهم على لياقتهم البدنية دون زيادة ملحوظة في الوزن، نوع من السحرية الواهمة المرافقة لعمليات الالتهام الشرهة، حيث أن غالبية المشاهد ممنتجة وغير صادقة ما إن كانوا في الحقيقة يأكلون الكميات الهائلة المعروضة في الفيديوهات أم ببساطة يتم تقيؤ كل ما يؤكل بعد انتهاء التصوير كما أشيع عن الفتاة الصينية. مبهم.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.