جدة القديمة - السعودية - أحياء قديمة
جدة القديمة - السعودية - أحياء قديمة

لطالما تمنيت زيارة حي الكرنتينة الشعبي الواقع في جنوب مدينة جدة حيث نشأت لاستعادة الذكريات بالسير في شوارعها وبين أزقتها الضيقة وممارسة هواتي المفضلة بلعب كرة القدم مرة أخرى مع أصدقاء الطفولة من جديد في ملعب "البرحة" كما كنت أفعل في طفولتي مرة على الأقل يوميا. 

كثيرة هي الأسباب التي حالت دون تمكني من العودة إلى حارة "الكرنجو" كما يحلو للبعض تسميتها منذ أن غادرت السعودية قبل قرابة عقدين من الزمان لا مجال لذكرها هنا، أما اليوم، فقد بات أمر تحقق هذا الحلم مستحيلا بعد أن أزالت السلطات السعودية حي الكرنتينة وغيره من الأحياء الشعبية إزالة كاملة في شهر أكتوبر الماضي وشردت الآلاف من البشر بعد أن سوّت منازلهم التي عاشوا فيها عقودا طويلة بالتراب.  

إن مُصابي في استحالة تحقق أمنيتي بالعودة إلى الحي الذي يحتل مكانة كبيرة في قلبي لا يساوي قطرة في بحر قياسا بمصاب سكان الحي الذين أجبروا على قضاء ليلتهم الأخيرة في الظلام الدامس حيث قطعت خدمة الكهرباء عنهم بعد انتهاء مهلة الـ 24 ساعة المقدرة لهم لمغادرة منازلهم ليستيقظوا على أصوات البلدوزرات المتأهبة لهدم المنازل فوق رؤوس ساكنيها مما اضطر الكثيرين إلى ترك أمتعتهم وممتلكاتهم واللجوء إلى الإقامة تحت ظلال الجسور.

بصورة عامة، من الممكن استيعاب قرار إزالة الأحياء الشعبية في أي مدينة من مدن العالم في سياقات عديدة كالحاجة إلى مواكبة التطور العمراني وتحديث البنى التحتية من أجل تحسين الأوضاع المعيشية لسكان تلك الأحياء.

وقد جرت العادة في تلك الأحوال أن تتم عمليات الإخلاء والإزالة بصورة إنسانية تراعى فيها الأحوال النفسية والمادية لسكان تلك الأحياء كإمهالهم وقتا كافيا للانتقال إلى مناطق أخرى وكإيجاد بدائل سكنية مؤقتة للأسر الفقيرة.

للأسف الشديد، لم تراع السلطات السعودية الأوضاع النفسية والمادية لسكان الإحياء الشعبية وأكبر دليل على ذلك أنها أمهلتهم فترة 24 ساعة لإخلاء منازلهم ثم قامت بقطع خدمة الكهرباء عنهم دون اعتبار لما قد يسببه ذلك من رعب للأطفال أو مضاعفات صحية للمرضى وكبار السن.

في اعتقادي، إن أحد أكبر العوامل التي ساهمت في عدم مرعاة الأوضاع النفسية والمادية لسكان الأحياء الشعبية وخاصة حي الكرنتينة حملة التشويه الإعلامية في الصحف والقنوات السعودية التي دأبت على شيطنة سكان تلك الأحياء فأطلقوا عليها أوصاف مسيئة من قبيل "بؤر للجريمة" و "أوكار للرذيلة" و"عشوائيات" وحولوا سكانها إلى مجرد "عمالة مخالفة".

لستُ اليوم بصدد رصد كل ما جاء في حملة التشويه الإعلامية، وعلى كل من بحاجة إلى الاستزادة في ذلك كتابة كلمة "الكرنتينة" على محرك "ُغوغل" وتحليل نتائج البحث.

أما الآن فدعوني أصحبكم في جولة داخل حي الكرنتينة الذي كان بمثابة بوتقة انصهرت فيها الجنسيات والأعراق والثقافات والعادات والتقاليد من مختلف دول العالم فأنتجت عائلات عابرة للقارات اختلط فيها الدم التشادي باليمني والكاميروني بالمصري والإريتري بالنيجيري وأنتجت أجيالا تملك كل مقومات النجاح والإبداع بل واستطاعت تحقيقه والتفوق على أقرانهم من سكان أحياء الشمال في العديد من المجالات. 

في الكرنتينة، كان منزلنا مكونا من غرفتين، حولت والدتي إحداها إلى مطعم شعبي يتناول فيه المرتادون وغالبيتهم من عمال ورش إصلاح السيارات المطلة على البرحة طبق العصيدة بملاح الشرموط أو الروب. أما في الصباح، فكانت بوفية إبراهيم البنقالي المجاورة لمنزلنا توفر لزبائنها سندوتشات البيض واللحم المفروم وعصائر الخربز والجوافة والمنقة. 

على ناصية الشارع، تقع بقالة عم صالح القريبة من مغسلة العم حسن السوداني ومحل العم داود اليمني المليء بالخردوات ومواد البناء والكثير من القطع الأثرية. على بعد أمتار منه، كان محل العم عبيد للأسماك المقلية، يليه دكان العم بكر لبيع ثمرة القورو ثم شواية علي قوطة للدجاج ومحل المرحوم أبكر شريف للأقمشة. 

بعده مباشرة يقع مسجد الشيخ سعد الفران، حيث بدأتُ حفظ سور القرآن على وقع خيزرانة العم عامر رحمه الله حين كنت في الخامسة من عمري وقد اضطرني في يوم من الأيام بعد رفضه منحي الإذن بالعودة إلى المنزل حين شكوت له ألما في بطني إلى قضاء حاجتي في المسجد. 

أبواب المسجد المتعددة قد تخرجك إما على فرن الخبز أو المكتبة المجاورة لمحل العم صالح البنشر المتخصص في تعبئة كراتنا بالهواء أو إصلاح دراجاتنا الهوائية المهترئة. بقالة عبد الرحمن كانت بمثابة السوبر ماركت المحلي، تقابلها محلات بيع الخضروات ومن خلفها السوق الجديد الذي تعج درجاته ببائعات الشطة والفول المدمس والبامية اليابسة وغيرها من المواد الأساسية لطهي أشهى الأطباق. 

هناك مسجد آخر في الكرنتينة أسميناه "مسجد خمس دقائق" لسرعة انتهاء الصلوات فيه كان يقع بالقرب من المخبز السوداني المواجه لاستوديو كسلا للأشرطة الكاسيت الغنائية.

هناك أيضا مطعم ألبان جديد السوداني، وبقالة العم حيدر ومحل لبيع الفول كان صاحبه مصري الجنسية، استوديو تصوير ومحل "بروست" دجاج وسوبر ماركت المليباري المواجه لمصفاة تكرير مشتقات البترول وما بين السوبر ماركت والمصفاة تقع البرحة وأي برحة. 

في الكرنتينة أيضا كان هناك سوق الجمعة الذي يبدأ عادة بعد صلاة الفجر وفيه يعرض الباعة وغالبيتهم من النساء كل ما يخطر على البال من ملابس مستعملة وأحذية وأجهزة إلكترونية. 

أما شباب الكرنتينة، فحدث ولا حرج فقد استطاعوا بفضل إصرارهم وعزيمتهم التغلب على مصاعب الحياة ولم يثنهم كونهم لا يحملون وثائق إقامة سارية الصلاحية من طرق أبواب الرزق لإعالة عوائلهم وتوفير متطلبات الحياة اليومية أو الهجرة إلى مختلف دول العالم.

أبناء الكرنتينة يا سادة، كانوا سادة في رياضة كرة القدم واستطاعوا إحراز كل الألقاب المحلية الممكنة على مستوى مدينة جدة وكانوا دائما الرقم الأصعب والحلقة الأقوى في كل المنافسات المحلية وانجازات فريق ميلانو العريق شاهدة على ذلك. 

لو كنت مكان صناع القرار في السعودية، لحولت حي الكرنتينة إلى قرية نموذجية ووفرت لسكانها كل ما يحتاجونه من منشآت وبنى تحتية وتسهيلات تكفل لهم سبل العيش الكريم والاستفادة من طاقاتهم ومواهبهم وتحويل حارتهم إلى قبلة سياحية تعكس مدى التنوع العرقي والثقافي للبلاد. 

لقد أزيلت الكرنتينة عن الوجود واختفت حواريها وشوارعها، لكن هيهات أن تُزال من قلوب سكانها وستبقى دوما في ذاكرة أبنائها وستروي الأجيال ذكرياتهم فيها وقصص التفوق والإبداع والتميز. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.