ماليزيا - قرآن - احتفال إسلامي
"الحقيقة الصعبة هي أنه لا جدوى من الإصلاح الديني ولا فائدة صرفة ناتجة عنه"

تكرّرت في الأوساط الفكرية والبحثية والسياسية في الغرب مقولة: "الإسلام المتشدد هو المشكلة، والإسلام المعتدل هو الحل". ولهذه المقولة أصداء متوالية في العالم الإسلامي ذاته.

وهي في أحيانٍ قليلةٍ أصداءٌ ذاتية نابعة من قراءات محلية تسعى إلى التوفيق بين الدين المُعاش وبين العقيدة النصية، ولكنها على الغالب استجابة للدعوة الغربية أو من باب الإقرار بأنه لهذه الدعوة ما يبرّرها، انطلاقاً من الواقع الملموس بأن الممارسات القبيحة والعقائد المستهجنة التي أظهرتها الجماعات الجهادية هي في واقع الأمر متوافقة مع النصوص العقدية والفقهية.

والدفع باتجاه إصلاح الدين أو تجديده ليتماشى مع متطلبات العصر، قد اكتسب زخماً متعاظماً مع تبني أكثر من حكومة عربية لموقف رسمي مبني على السعي إلى تحقيق هذا الإصلاح. الدعوة كانت صريحة يوم أطلقها الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وربما جاءت أقل جهاراً، وإن أكثر حزماً، في توجهات الشيخ محمد بن زايد في أبوظبي، وهي اليوم علنية في تصريحات ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان.

المعادلة تبدو سهلة. ثمة نصوص، قد تكون أحاديث الآحاد سعودياً أو بعض المقررات الأزهرية مصرياً، هي موطن العلة، وعليها يبني المتطرفون ضلالهم وتضليلهم.

فالمطلوب هو إعادة النظر بها واقتطاع المسيء منها، ليعود الدين إلى جوهره الخالص. والسبيل إلى تحقيق هذا الإنجاز واضح بدوره.

النخبة التنويرية في هذه الدول وفي المنطقة كافة على استعداد لتنفيذ مشروع الاحتفاظ بالصالح ونبذ الطالح في هذه النصوص. أو، كما في الحالة المصرية، الرئاسة قد فوّضت الأزهر الشريف للتوّ، بشخص شيخه ووزير الأوقاف وغيرهما من رجال الدين المعتبرين في مصر، للشروع بمجهود الإصلاح.

وفي الإمارات، الدعم وافرٌ لمؤسسات تسعى إلى تأصيل ثقافة التسامح والتعدد، وما بيت العائلة الإبراهيمية إلا نموذجاً وحسب من توجه عالمي بطموحاته.

أما في السعودية، فيبدو أنه ثمة مشروع برعاية ولي العهد لمراجعة الأحاديث وللخروج بموسوعة جامعة جديدة تشكل مرجعية حديثية تحصّن الدين من التطرّف.

وبالإضافة إلى أن المرحّبين بهذه الخطوات هم من التنويريين والإصلاحيين والمنفتحين، فإن التعويل في الحقيقة هو على الجمهور الذي أظهر في عمومه رفضاً واضحاً للتوجهات المتشددة والمتطرفة. فخطوط التماس في هذه المواجهة، أو على الأقل هكذا يراها دعاة الإصلاح، هي بين الجمهور الواسع من المواطنين، ومعه نخبته المستنيرة، في مواجهة الفئة الضالة عند الهامش، وإن عاضدها، غالباً لاعتبارات آنية ومصالح دنيوية، عدد من رجال الدين.

ليس الأمر كذلك. ثمة ملاحظات هامة تلقي الشكوك على الطبيعة المحكمة المفترضة لهذه القراءة، وتشير لا إلى فشل مرتقب وحسب، بل إلى مضاعفة الأزمة الدينية التي تعيشها هذه المجتمعات المعنية.

أولاً، نعم، ثمة أزمة دينية في العالم العربي خاصة وفي العالم الإسلامي عامة، وخلاصتها أن الدين لا يشكّل إطاراً ممكناً للفرد والمجتمع، بل حمل ثقيل عليهما، يستنزف طاقتهما ويمنع حسن تقدمهما.

بصرف النظر عن الأسباب الذاتية والموضوعية لهذه الحالة، وما إذا كانت طارئة حديثة أو من صميم الدين ذاته، ما هو جلي هو أن الموضوع الديني يشغل حيّزاً ضخماً من الاهتمام، وأن الانهماك بدقائقه وتفاصيله يستهلك جزءاً كبيراً من موارد الأفراد وأوقاتهم وأفكارهم، ما يجعل الفرد المسلم أصلاً والمجتمع الذي يغلب فيه الإسلام فرعاً أقل قدرة على الإنتاج والتقدم، ولا سيما مع تفضيل تغييب النساء، أي نصف المجتمع، من دائرة المشاركة الكاملة، وفرض أثمان "ضريبية" على كل خطوة ومبادرة.

من شأن هذا الكلام بطبيعة الحال إثارة المعترضين، مع الإشارة إلى أن درجة إثارته لهم هي بحد ذاتها دليل على صحته.

وليس القول هنا بطبيعة الحال إن الدين يعترض التقدم بالكامل، ولا جدوى بالتالي من استدعاء بعض النماذج الناقضة، بل المقصود أن الفرد المسلم باختياره الشخصي، والمجتمع حيث الغلبة للإسلام كنتيجة، مكلّفان ببذل طاقات أكبر للحصول على مردود متوفر لغيرهما بثمن أقل من الجهد والوقت والطاقة.

للمؤمن طبعاً أن يهنئ نفسه بتجارة الدنيا بالآخرة. والتقييم هنا ليس إسقاطاً للموازنة التي يرتضيها المؤمن لنفسه، بل تنبيه إلى أنه لهذا الخيار الإيماني عواقب تتعدى من يرتئيه لتطال المجتمع بأكمله إذ يلبّس الصفة الإسلامية.

ثانياً، ثمة خلل منهجي هنا كذلك. التوجه العام للنشاط الإصلاحي، القادم والقديم على حد سواء، لا يختلف في منهجيته عن التوجه المتشدّد. كلاهما وليد الحداثة في رغبتها بتحقيق الرؤية المتكاملة والتزام الوضوح والتجانس، وإن اختلفت تفاصيل الرؤية لدى الجانبين.

وكلاهما يسعى إلى فرز التراث وتفصيله وتمييز ما يشهره منه وما يسقطه، بل السبّاق في تأطير هذه المنهجية هو التوجه الإصلاحي، فهو الذي افترض جوهراً ثابتاً في الإسلام، ساواه في القرن التاسع عشر بالقيم العالمية حتى قبل أن تتشكل بنصوصها، ثم سعى إلى انتقاء ما يبرز هذا الجوهر من المخزون النصي رفعاً، وإلى إهمال ما يوهنه خفضاً.

وكلا الجانبين الإصلاحي والمتشدد، وهنا تتحقق مضاعفة المواجهة، قد عمد إلى الأسلوب الانتقائي ذاته لاستشفاف جمهوره.

الغالب على الجمهور في كافة المجتمعات التي للإسلام فيها حضور هو قدر من التدين الاسمي أو النظري أكثر ميلاًً للارتفاع، وقدر من الالتزام بالشعائر والواجبات أكثر جنوحاً إلى الانخفاض.

الإسلاميون يتوهمون في ارتفاع التدين المعلَن رغبةً لدى الجمهور بتطبيق الشريعة بحدودها وقيودها، فيما الإصلاحيون يخطئون في اعتبار تملّص العموم من الفرائض والمحرمات التي تحظى بإجماع العلماء، في الاختلاط والمعاملات المصرفية والتآخي مع غير المسلمين مثلاً، دليلاً على رغبة جامحة للشروع بتجديد الدين.

وخلافاً لهاتين القراءتين واللتين يحكمهما الهوى، فإن الاستقراء الوقائعي على مدى العالم، يبيّن أن التشكيلات القائمة في الأوساط الإسلامية، والجامعة لما يبدو أنه قدر من التفاوت، إن لم يكن من التناقض بين الوجهين النظري والتطبيقي، هي تشكيلات أقرب إلى الثبات منها إلى التحوّل. هي متحوّلة طبعاً، على مدى المكان والزمان، غير أن عوامل تحوّلها أثقل بكثير من الأفكار والنظم التي يراد فرضها عليها، تشدداً أو إصلاحاً.

أي أن الفرد المسلم المؤمن، بأقدار من التباين حكماً، ومن خلفه المجتمع الذي يجمعه بصنوانه، ارتضى فعلياً، وإن غاب الإقرار كلامياً، الاختلاف بين صيغة الدين التي يجاهر بالالتزام بها، وصيغة الدين التي يعتمدها ضمناً. ومن شأنه، سواء أعلن الأمر أو موّهه، أن يعارض كلا من الدفعين، باتجاه المزيد من الالتزام، أو باتجاه المزيد من التجرّد.

وعليه، وكما كان حال ممانعة العموم للتشدد، فإن محاولات الاستفاضة بالإصلاح، وصولاً إلى تبديل الدين النظري، لن تلقى التأييد الواسع، على الأقل الصادق منه. قد يصدر ما يدعو إلى افتراض التأييد، ذلك أن انسجام المواطن في هذه الدول، حيث هو لا يزال أقرب إلى واقع الرعية منه إلى مبدأ المواطن السيّد، مع رغبة ولي أمره ليس بالضرورة تعبيراً عن قناعة، ولا هو على ديمومة أكيدة.

أي أن الإصلاح الديني الموعود بأشكاله المختلفة، المصرية والإماراتية والسعودية، إذ هي جميعاً تغوص في المسلّمات والثوابت والعقائد، ليس مؤهلاً أن يحقّق الخرق المرغوب على مستوى الجمهور، ولكنه دون أدنى شك سوف يستثير الملتزمين والمتشددين والمتطرفين.

فحصيلته في أحسن الأحوال قد تكون تنشيط بعض المتداول الفكري ذي الصبغة الإصلاحية لدى العموم، بناتج إيجابي متواضع، في مقابل تعبئة مضادة للتوجهات المتشددة، أي بناتج سلبي موزون.

ثالثاً، بالإضافة إلى الأزمة الدينية والخلل المنهجي، ثمة اضطراب موضوعي. حيث أن كافة هذه التوجهات الإصلاحية تنطلق من فرضية خاطئة هي أن المستهجن والمستنكر، من وجهة نظر القيم العالمية، يقتصر على نصوص عرضية أو روايات ضعيفة وما أشبه.

الواقع الذي يسكت عنه معظم الإصلاحيين هو أن العلة المبدئية ليست في الحديث وحسب، بل هي في صميم القرآن. يستطيع الجهد الإصلاحي أن يستأصل ما شاء من الكتب الفقهية وأن يجتثّ ما طاب له من أحاديث الآحاد. ولكن ما عساه أن يفعل بآيات القتال والولاء والبراء.

الاستعمال الانتقائي المتحيّز لأدوات التفسير، أي الحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفصّل، والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، وغيرها، من شأنه تلطيف بعض القسوة بنظر معظم الناس، ومعظم القسوة بنظر البعض الآخر، ولكنه عاجز تماماً عن تبديد كل القسوة لدى كل الناس.

بل إن إسقاط الآحاد والفتاوى وغيرها من الرصيد المتراكم على مر العصور، بالإضافة إلى تثبيت الحكم بالرأي وإهمال الخلاف، من شأنه إبطال الأصل الفقهي القائم على درء الحدود بالشبهات. أي بوسع الإصلاحيين انتخاب ما يناسبهم من النص المتبقي بعد كل الاقتطاعات والتأويلات، وبالمقابل من شأن المتشددين، على رحبٍ وسعةٍ غير متوفرين للإصلاحيين، اعتماد الأسلوب عينه للإمعان بالتشدد والقسوة.

هذا بالإضافة إلى سؤال لا بد منه: رغبة الإصلاح فوقية من السلطة الحاكمة ذات الهيبة السياسية والأبوية، لا الدينية. فمن الذي سوف يمنح الجهد الإصلاحي مشروعيته الدينية؟ بل من الذي سوف يقوم باختيار ما يبقى وما يذهب من النصوص؟ علماء مغمورون جرى توظيفهم للمهمة، أو خطباء وعلماء بلاط كانت لهم مواقف بالأمس ولهم غيرها اليوم؟ بعض هؤلاء يسوّقون للإصلاح والانفتاح والتعدد، فيما المقاطع التي يجاهرون فيها بأضدادها لا تزال رائجة. أم هل يولّى الأمر لمراكز أبحاث محلية وعالمية؟

مهما كان الجهد، يمكن توقع تهليلات تأييد وتقريظات بأن الحاكم الميمون هو هدية التاريخ للعروبة والإسلام وأمم الأرض كافة. غير أنه لا بد من الافتراض بأن الشعوب غبية مستعدة لابتلاع كل ما يقدم لها للاطمئنان إلى نجاح طويل الأمد لهذا المشروع. وإذا كان الأمر كذلك فإن المشروع المعاكس بدوره سوف ينجح بعد حين. 

الحقيقة الصعبة هي أنه لا جدوى من الإصلاح الديني ولا فائدة صرفة ناتجة عنه. ليس المطلوب المزيد من الدين والطروحات الدينية والمقولات الدينية في مجتمعات تعاني للتوّ من تخمة منها، بل التفات إلى تمكين المواطن أن يرتقي من موقع الممالئ كلامياً إلى مقام الفاعل عملياً في مجتمعه.

في التجارب الثلاث المعتبرة اليوم في المحيط العربي، المصرية والإماراتية والسعودية، قد تكون التجربة الإماراتية الأقرب إلى اعتماد الخطوات التنفيذية ذات الطابع العملي، ولكنها تعاني رغم ذلك من معالجات وفق منطق الإصلاح الديني ما قد يأتي بنتائج عكسية.

الحالتان المصرية والسعودية تعانيان، كل على طريقتها، من وطأة تاريخ ديني معاصر برزت فيه مؤسسة (الأزهر وهيئة كبار العلماء) وحركة (الإخوان المسلمون والصحوة) بموقع منافسة ضمنية مع السلطة على النفوذ والمشروعية. أي أن الرصيد الذي يحتاج إلى تفكيك ومعالجة أكثر تعقيداً بالتأكيد.

في العلاقة المركبة بين الدين والدولة في الإطار الإسلامي، لا بد من التأني في طرح السؤال وتشخيص الداء. ولكن لا يصح افتراض أن الإصلاح الديني هو الحل تلقائياً. بل يتوجب التمحيص فيما إذا كانت غلبة القناعة بالحاجة إلى الإصلاح الديني هي نتيجة تحليل اجتماعي فكري تاريخي ذاتي أم أنها متولدة من تقييم غربي متآنس من حيث لا يدري مع القراءة الإسلامية المتشددة، فيرى في الدين جوهراً للفرد والمجتمع في الإطار الإسلامي، على خلاف من سائر المجتمعات.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن اكتشاف وسيلة الهبوط الهادئ للعلاقة بين الدين والدولة لن يكون سهلاً، ولكن انطلاقاً من الاعتبارات السلبية المتحققة، أي التأزم الديني والاختلال المنهجي والاضطراب الموضوعي وما يمكن ترقبه من تداعيات سلبية لها، فإن الأقرب إلى الصواب هو أن الإصلاح الديني ليس الحل في السعي إلى تحقيق المواطنة والدولة القائمة على العدالة والمساواة.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.