داعش تسبب بتدني معيشة بعض الدول. أرشيفية
تنظيم داعش طبق التعليمات الدينية المتعلقة بالرق والاستعباد

تواجه الرواية الدينية اليوم تحديات جمة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. فمن جهة هناك كم هائل من المعلومات المستقاة من الدراسات الحديثة حول الأديان والقائمة على علوم التاريخ والأركيولوجيا والمخطوطات والتي توسعت في العقود الأخيرة بصورة مضطردة، ومن جهة أخرى هناك مساحة واسعة للتعبير عن الرأي لم تكون متوفرة في السابق، سمحت بإجراء نقاشات جريئة ومفتوحة بشأن الدين.

وبين هذا وذاك تتزايد كل يوم أعداد الذين يديرون ظهورهم للرواية الدينية ويتركون الأديان، وإن بهدوء، بحسب ما تشير إليه البيانات المختلفة، ولعل أبرزها ما ورد في الاستطلاع الذي أجراه البارومتر العربي (23 يونيو 2019)، وأوضح فيه أنه بين العامين 2013 و2019 ارتفعت نسبة الذين يصفون أنفسهم بأنهم "غير متدينين" من 8 في المئة إلى 13 في المئة. وشارك في الاستطلاع أكثر من 25 ألفا من سكان عشر دول عربية بالإضافة إلى الأراضي الفلسطينية.

كذلك ما كشفت عنه أول مظاهرة رقمية للادينيين الناطقين بالعربية والتي جرت في 22 فبراير 2022 وشارك فيها عشرات الآلاف من الدول العربية.

لكن الملاحظ أن العديد من رجال الدين أو المدافعين عن الرواية الدينية لم يرتقوا إلى مستوى هذا التحدي، وإنما اتخذوا موقفا دفاعيا وارتدوا إلى الخلف من دون أن يشعروا، عبر اللجوء إلى سلاح التسقيط والتخوين أو التشكيك في نظرية التطور أو الاستمرار في التمسك بخرافات الإعجاز العلمي للقرآن وما شابه. 

ولا ريب أن الدراسات الحديثة التي تبحث في المطابقة بين ما ورد في النصوص الدينية وما اكتشف من أدلة مادية أو آثار (سواء مخطوطات أو منحوتات أو موجودات وما شابه) تدل جميعها على أن هناك إشكاليات كبيرة تحيط بالشخصيات والأمكنة الدينية وكذلك بالأحداث والأساطير التي أوردتها الكتب الدينية أو استندت عليها في تشكيل سرديتها الخاصة بها.

ولا يتسع المقام هنا لذكر مضمون أو نتائج هذه الدراسات، فهي متوفرة اليوم بكثرة (في الكتب) وعلى وسائل التواصل الاجتماعي سواء اليوتيوب أو غيره وأشهرها دراسات "مدرسة المراجعين" ومن بين روادها المستشرقون: الألماني كريستوف لوكسنبيرغ (Christoph Luxenberg) والكندي دان جبسون (Dan Gibson) والدانماركية باتريشيا كرونة (Patricia Crone) والألماني نيكولاي سيناي (Nicolai Sinai) وغيرهم.

ورغم أن بعض هذه الدراسات قد ذهب بعيدا في استنتاجاته وبعضها جنح إلى سرديات موازية أو مغايرة تماما لما تذكره المصادر الدينية الرسمية سواء الإسلامية او اليهودية أو المسيحية، إلا أن هذه الدراسات تكتسب أهمية كبيرة، أولا لكونها جهدا أكاديميا خالصا، وثانيا لأنها فتحت الباب واسعا أمام تفسيرات ووجهات نظر جديدة، لم تكن معروفة من قبل، ما يعطينا فرصة لفهم أفضل للتاريخ الإسلامي وللسردية الدينية بشكل عام وهذا الجهد سوف يتعاظم في المستقبل.   

وعلينا أن نتذكر أن الكثير من المؤلفات وكذلك الشخصيات الإسلامية لم يكن من الممكن الوصول إليها إلا بفضل جهود ومثابرة المستشرقين.  

بيد أن التحدي الأساسي للدين والذي يجعل الكثيرين يشعرون بالحاجة إلى مراجعته لا يكمن فقط في السرديات البديلة، ولكن أيضا في الموقف الأخلاقي من بعض القضايا التي تتصادم مع قيم العصر ولا سيما تلك المرتبطة بالحقوق الطبيعية والبديهية للبشر.

ويعتبر الموقف من الرق أو العبودية من بين أبرز هذه القضايا. فحتى هذه اللحظة لا يوجد حل لهذه الإشكالية في الإسلام، فهو يقر العبودية أو بالأحرى هو لم يحرمها أو ينهى عنها، ولا يزال الباب الذي تأتي منه مشرعا وهو الغزو أو الحروب (جهاد الطلب)، حيث يمكن استرقاق الأسرى أو السبايا. وعلى هذا استند تنظيم داعش في استرقاق الأيزيديين في الموصل.    

من القضايا الأخلاقية أيضا الموقف من ضرب المرأة. ورغم أن رجال الدين المسلمين وبسبب الحرج البالغ من هذا الأمر، حاولوا أن يلتفوا على النص القرآني الصريح أو مراوغته، بتخريجات من قبيل أن المقصود هنا هو الضرب غير المفضي إلى الإيذاء، وقد تبرع بعضهم بذكر المسواك أو الفرشاة دلالة على الضرب الخفيف، بينما قال آخرون بأن المقصود هنا هو كسر إرادة المرأة وإهانة كبريائها وليس إيذائها جسديا، في حين ذهب آخرون إلى أن المقصود بالآية هو منح الحق فحسب وليس الأمر بالضرب بالضرورة أو فرضه.. إلى آخر ذلك من التخريجات التلفيقية.   

غير أن أيا منهم لم ينجح في حل هذه المعضلة أو تجاوزها، فالضرب هو الضرب سواء كان خفيفا أو غير خفيف. والسبب في ذلك أن هذا يدخل ضمن المعلوم من الدين بالضرورة، وتعطيله أو تغييره ليس أمرا هينا.

أيضا الموقف من الآخر وخاصة أتباع الأديان التي تعرف بالسماوية، مثل المسيحيين واليهود، إذ هم في مرتبة أدنى ويتعين عليهم دفع الجزية وهم صاغرون، في حين يعامل أتباع الأديان الأخرى بصورة أسوء.

ورغم أن الظروف المعاصرة لا تسمح للسلطات في الدول العربية والإسلامية، لحسن الحظ، بتفعيل الأحكام الخاصة بذلك، لكن وجودها في حد ذاته من دون تغيير أو تبديل، يبقي على الإشكالية في التعامل مع غير المسلمين قائمة.    
بالطبع هذه القضايا كلها ليست جديدة كما نعرف، لكن لم يحدث في السابق أن طرحت على النحو الذي نشاهده اليوم، وبصورة تكشف عن العجز الواضح لرجال الدين والمؤسسات الدينية في معالجة هذه القضايا على نحو جديد وخلاق ومتوافق مع القيم العصرية. 

وهذا العجز والتحديات المصاحبة له من المنتظر أن تتفاقم مع اتساع رقعة النقاش والنقد الموجه للدين وتداول المعلومات في ظل أجواء الحرية التي تشيعها وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي على اختلافها.

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.