جنود أوكرانيون خلال استراحة في ظلال مدرعة
جنود أوكرانيون خلال استراحة في ظلال مدرعة

تعمد معظم أطراف الصراع حول العالم إلى اعتماد سياسة التهويل والمبالغة في تقدير خسائر العدو، التي تندرج ضمن الحرب الإعلامية والنفسية الموازية، إذ يخفي كل جانب خسائره الحقيقية التي تصنف كأسرار عسكرية بهدف الحفاظ على الروح المعنوية لدى المقاتلين والتماسك الشعبي الداخلي على حد سواء، فيما يعمد إلى المبالغة في أرقام قتلى خصمه لعكس الهدف ذاته، أي زعزعة الثقة الشعبية وتحطيم الروح القتالية لدى العدو، كما في الحرب الروسية الجارية على أوكرانيا، التي لوحظ أن كلا الجانبين الروسي والأوكراني انتهجا خلالها مثل هذه السياسة، عمدا وبوضوح. 

كل منهما يفصح من حين إلى آخر عن محصلة محدثة لعدد القتلى، بحيث تبدو محصلة تقلل ما أمكن من عدد خسائره، وترفع في المقابل من أرقام خسائر الخصم. وبطبيعة الحال، وإلى حين توقف المعارك والكشف عن الأرقام الحقيقية للخسائر العسكرية البشرية بين الجانبين، فإن كل الأرقام التقديرية أو المعلنة حتى اليوم- إن صحت - مؤسفة ومحزنة للغاية. 

الأرقام المتداولة تحدثت عن مجموع ما يقرب من ثلاثين ألف جندي قتيل بين الجانبين، أي بمعدل وسطي 500 جندي كل يوم. وبمعنى آخر، ثلاثون ألف نفس بشرية أزهقت خلال شهرين فقط. تبدو حصة الروس فيها هي الأكبر بحسب المراقبين، مع الأخذ بالحسبان أن تتضاعف هذه المحصلة السوداء مع احتمال امتداد هذه الحرب لشهور أخرى أو سنوات، بناء على التوقعات الدولية المتشائمة الأخيرة. 

ورغم أهمية تمييز الدوافع القتالية بين الجانبين، أي المعتدي وحق الدفاع عن النفس من المعتدى عليه، لا يمكن تجاهل الحقيقة الإنسانية القاسية أن جميع هؤلاء الجنود القتلى هم ضحايا من الشبان، زهور الحياة النديّة لأية أمة وبناة نهضتها الحقيقيين، التضحية بحيواتهم كوقود في حرب كان يمكن تفادي وقوعها، نكسة مزدوجة لاتعوض لأوطانهم ولعائلاتهم الثكلى. 

كل الحروب هي في المحصلة حروب على معنى الشباب واستهدافا لهذا المعنى ومقتل له بشكل مباشر أو غير مباشر. وأي حرب جارية أو جديدة تعني تدميرا مضافا لركائز الحاضر وآفاق المستقبل. 

هذا الحاضر المضطرب والبائس الذي يواجه آلاف التحديات، ولم يكد العالم يجرب النهوض به لترميم بعض آثار جائحة كورونا الكارثية التي أصابته خلال العامين الفائتين، حتى وجد نفسه أمام هذه الحرب الروسية ضد أوكرانيا التي تستنزف الجميع، وستنعكس تداعياتها الوخيمة على  شبان العالم بشكل خاص.

ويتوقع أن تؤدي التداعيات الاقتصادية الكارثية وارتفاع أسعار الوقود وشح الموارد والارتفاع الوحشي لسلة الغذاء العالمية، ليس فقط إلى مزيد من الفقر والجوع وسوء التغذية، بل إلى تفاقم البطالة لدى الفئات الشابة، وبالتالي إلى مزيد من تنامي اليأس والاضطرابات والجريمة وأعمال العنف المجتمعي، أو التفكير بالهجرة، أو الانتحار. وهي توقعات أكدتها مؤخرا منظمة العمل الدولية التي تحدثت عن مايقرب من 207 مليون شخص عاطل عن العمل حول العالم بحلول  العام القادم، مع تخفيض توقعاتها لانتعاش سوق العمل العالمية هذا العام، وخلاصتها السوداوية التي انتهت إليها بأن التأثيرات ستكون أكبر بكثير من هذه التوقعات. 

وفي ظل استمرار الحرب على أوكرانيا، من الواضح أن الشباب الروسي أكثر من سيسدد ثمنها الباهظ، ليس فقط من حيث خسائره في أعداد الجنود، بل في الخسائر المؤسفة المتوقعة التي ستصيب عصب الاقتصاد الوطني الروسي مع غياب أو نقص العنصر الشاب والحيوي الداعم الرئيس لها. 

وأشار تقرير خاص لـ(BBC) إلى أن عشرات الآلاف من الروس من أصحاب الكفاءات والحاصلين على مؤهلات تعليمية عالية غادروا البلاد خشية تجنيدهم في القوات المسلحة، بينما يغادر البعض بسبب وضعه السياسي المناهض أو بسبب التدهور الاقتصادي المتوقع في البلاد.  

في المقابل، لايستثنى الجانب الأوكراني من تأثيرات هذه النتائج المؤسفة التي ستفضي إليها حربه الدفاعية الوجودية هذه، والتي ألزمت شبابه على خوضها جنبا إلى جنب حكومته الشابة، برئيسها وأعضائها، كان يمكن - لو أمكن تجنبها - تسخير طاقاتها الحيوية وتحويلها إلى نهضة أممية تعود بالمنفعة على العالم كله استناداً لما تمتلكه أوكرانيا من خامات وثروات وموارد هائلة. 

أحوال الشباب العالمي ليست بخير بالمطلق، وكل ما يحدث، يضاعف قتامة المشهد العالمي الخاص بالعنصر الشاب للحياة ويحطم آماله ويغلق أمامه سبل النجاة أكثر فأكثر. وإن وجدت بعض الآمال التي يمكن أن تحقق بعض الانتعاش الشبابي في أحوال السلم، تقضي الحروب بضرباتها الوحشية على هذه الآمال كل حين.  

إيقاف الحروب والنزاعات مهمة أخلاقية ملحة تتقاسم مسؤوليتها الأطراف المتنازعة والمجتمع الدولي معا. وكل من يؤجج سعيرها أو يقوض الآمال بإيقافها، مشارك في هدر دم الشباب والحرب عليهم بشكل مباشر أو غير مباشر.  

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.